أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران رسم خريطة أسواق الصرف العالمية، مع صعود اليوان الصيني واستمرار قوة الدولار، مقابل تعرض اليورو وعدد من العملات الآسيوية لضغوط ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاوف التضخمية واضطراب سلاسل الإمداد.

وأدت الحرب وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة بمضيق هرمز إلى زيادة تقلبات الأسواق المالية العالمية، وارتفاع أسعار النفط وتكاليف الشحن والتأمين، ما انعكس على أداء العملات الرئيسية بطرق متفاوتة.

ويمر من المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يوميا، وتسبب إغلاقه في زيادة تكاليف الشحن والتأمين وارتفاع أسعار الخام، ما أثار مخاوف من تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي خلال الفترة المقبلة.

وإثر تعثر المفاوضات في 11 أبريل/ نيسان الماضي بباكستان، فرضت الولايات المتحدة منذ 13 أبريل/ نيسان الماضي حصارا على الموانئ الإيرانية، بما فيها الموجودة على مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، لترد إيران بمنع مرور السفن في المضيق إلا بتنسيق معها.

** مكاسب اليوان
وواصل اليوان الصيني تعزيز مكاسبه خلال الأسابيع الأخيرة، مدعوماً بتزايد الإقبال على الأصول الصينية باعتبارها ملاذاً استثمارياً إقليمياً في ظل تداعيات الحرب على إيران واضطرابات أسواق الطاقة العالمية.

وبحسب بيانات جمعتها وكالة بلومبرغ الأمريكية المتخصصة في الأخبار والبيانات المالية، ارتفع اليوم الثلاثاء، مؤشر سلة العملات المرجعية للتجارة الخارجية الصينية (cfets) إلى 101.41 نقطة، وهو أعلى مستوى له منذ سبتمبر/ أيلول 2022، مواصلاً الصعود للجلسة الثالثة على التوالي.

ويقيس هذا المؤشر أداء اليوان مقابل سلة من عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين للصين، ما يجعله مؤشراً أكثر شمولاً من سعر الصرف أمام الدولار فقط.

كما حقق اليوان مكاسب أمام العملة الأمريكية، إذ ارتفع بنحو 1 بالمئة في الأسواق الخارجية خلال مايو/ أيار الماضي، متفوقاً على معظم العملات الآسيوية الرئيسية.

ويرى متعاملون في الأسواق أن اليوان استفاد من محدودية تعرض الاقتصاد الصيني المباشر لتداعيات الصراع في الشرق الأوسط مقارنة بعدد من الاقتصادات الآسيوية الأخرى، إضافة إلى تنوع مصادر الطاقة التي تعتمد عليها بكين، ما عزز ثقة المستثمرين بالأصول المقومة بالعملة الصينية.

وأظهرت التعاملات الأخيرة زيادة الطلب المحلي على اليوان داخل الصين، حيث اتجه العملاء إلى شراء العملة المحلية بوتيرة أعلى منذ الأسبوع الماضي، في حين واصلت البنوك الحكومية توفير الدولار للأسواق ولكن بمستويات أقل تدريجياً، الأمر الذي أتاح مساحة أكبر لارتفاع قيمة اليوان رغم استمرار قوة الدولار عالمياً.

وقال المحلل المالي والاقتصادي إدريس العيساوي إن الارتفاع الملحوظ لليوان يعود إلى "المرونة الاستثنائية للصادرات الصينية، والتدفقات النقدية الناتجة عن تحويل جزء من الأصول المقومة بالدولار إلى العملة المحلية، إلى جانب سياسات الاستقرار النقدي التي ينتهجها بنك الشعب الصيني".

وأضاف العيساوي، في حديث مع الأناضول، أن اليوان "حقق مكاسب مهمة أمام سلة من العملات الأجنبية رغم تباطؤ الطلب الداخلي والضغوط الجيوسياسية العالمية".

في المقابل، حافظ الدولار على مكانته كأبرز ملاذ آمن في الأسواق العالمية، مستفيدا من هيمنته على التجارة الدولية والنظام المالي العالمي، بحسب العيساوي.

وأوضح المحلل الاقتصادي أن "الدولار احتفظ بقوته نتيجة الصلابة الهيكلية للاقتصاد الأمريكي وعمق أسواقه المالية، فضلا عن غياب بديل دولي يمتلك الخصائص نفسها".

وأضاف أن الطلب العالمي على الدولار ما زال مدعوما بكون معظم السلع الإستراتيجية، وفي مقدمتها النفط والغاز والمعادن، تسعر بالعملة الأمريكية، إلى جانب استمرار استخدامها في نسبة كبيرة من المبادلات التجارية الدولية واحتياطيات البنوك المركزية.

** ضغوط الطاقة
وتسببت الحرب في اضطرابات بإمدادات الطاقة العالمية، في ظل تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية.

وأدى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الخام إلى زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ولا سيما في أوروبا وآسيا.

وتراجع اليورو بنحو 0.4 بالمئة منذ اندلاع الحرب ليسجل نحو 1.14 دولار بنهاية مايو/ أيار الماضي، متأثرا بارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو.

كما هبط الين الياباني من نحو 156.6 ينا مقابل الدولار عند بداية الحرب إلى قرابة 159.5 حاليا، فاقدا نحو 1.9 بالمئة من قيمته، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثر الاقتصاد الياباني، الذي يعتمد بشكل كبير على واردات النفط والغاز.

وتراجع الجنيه الإسترليني بشكل طفيف من نحو 1.348 دولار قبيل اندلاع الحرب إلى قرابة 1.344 دولار بنهاية مايو، فاقدا نحو 0.3 بالمئة من قيمته، تحت ضغط تقلبات الأسواق وارتفاع أسعار الطاقة.

وقال العيساوي إن "ارتفاع أسعار الطاقة يضعف العملات المستوردة للنفط، مثل اليورو والين، عبر زيادة فاتورة الواردات واتساع العجز التجاري، فضلا عن تعزيز جاذبية العملات المرتبطة باقتصادات ذات عوائد أعلى أو دول مصدرة للطاقة".

وأضاف أن دول منطقة اليورو واليابان من أكبر مستوردي الطاقة عالميا، ما يجعلها أكثر عرضة لتأثيرات أي صدمة في أسعار النفط والغاز.

ويرى محللون أن استمرار التوترات المرتبطة بإمدادات الطاقة وحركة الملاحة في مضيق هرمز سيبقي أسواق العملات عرضة للتقلبات خلال الفترة المقبلة، مع احتمال استمرار استفادة الدولار واليوان من حالة عدم اليقين العالمية، مقابل بقاء الضغوط قائمة على العملات المرتبطة باقتصادات تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز.

وبدأت الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/ شباط الماضي حربا على إيران، التي ردت بهجمات على إسرائيل وما قالت إنها "مصالح أمريكية" في دول عربية، قبل التوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار في 8 أبريل/ نيسان الماضي.

وأواخر مايو/ أيار الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استكمال التفاوض على معظم بنود اتفاق مع طهران، مع بقاء الترتيبات النهائية قيد الاستكمال، على أن يتضمن الاتفاق إعادة فتح مضيق هرمز ضمن بنود أخرى.