شهدت أسواق النفط العالمية قفزات دراماتيكية خلال تداولات الأسبوع الجاري، مسجلة مستويات قياسية جديدة، وذلك على وقع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً مع استمرار أزمة الملاحة في مضيق هرمز وتعثر محادثات التهدئة الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران.
وقد اخترقت العقود الآجلة لخام «برنت» القياسي حاجز الـ 104 دولارات للبرميل، مسجلة قفزة أسبوعية تجاوزت حاجز الـ 10 في المئة، فيما لامست عقود الخام الأمريكي (غرب تكساس الوسيط) مستوى 100 دولار للبرميل، وسط حالة من القلق المتزايد والهلع بين المستثمرين حيال شح المعروض وتهديد سلاسل الإمداد العالمية للطاقة.
وفي تحول جذري لمسار السوق، أجمعت التقارير الاقتصادية الحديثة على أن أسواق الطاقة تتجه سريعاً للتحول من حالة “الفائض” التي كانت متوقعة مسبقاً، إلى “عجز حاد” خلال الربع الثاني من العام الحالي (2026)، وتستند هذه التوقعات إلى عدة متغيرات:
صدمة الإمدادات: تشير التقديرات الحديثة لبنك «غولدمان ساكس» إلى أن خسائر إنتاج النفط الخام في الشرق الأوسط قد تصل إلى نحو 14.5 مليون برميل يومياً جراء التوترات وإعلانات “القوة القاهرة” في بعض المنشآت.
تآكل المخزونات: يدفع هذا النقص الحاد مخزونات النفط العالمية نحو الانخفاض بمعدلات سريعة تتراوح بين 11 و12 مليون برميل يومياً خلال شهر أبريل الجاري.
تعديل التوقعات: سارعت المؤسسات المالية الكبرى إلى مراجعة وتحديث توقعاتها لمتوسط أسعار النفط صعوداً خلال عام 2026، متجاوزة السيناريوهات السابقة التي كانت ترجح بقاء الأسعار في نطاق 70 - 80 دولاراً، ليتم رفع التوقعات إلى ما فوق مستوى الـ 90 دولاراً كمتوسط للربع الأخير.
ولا تقتصر تداعيات هذه القفزة السعرية على أسواق العقود الآجلة فحسب، بل تمتد لتلقي بظلال ثقيلة على مسار تعافي الاقتصاد العالمي؛ إذ أدى تعطل الملاحة في الممرات المائية الحيوية إلى مضاعفة تكاليف الشحن البحري والتأمين على الناقلات. بالإضافة إلى ذلك، تواجه العديد من مصافي التكرير الكبرى، لاسيما في آسيا وأوروبا، صعوبات بالغة في تأمين احتياجاتها من الخام، مما ينذر بارتفاع وشيك في أسعار المشتقات البترولية للمستهلك النهائي.
وتبقى أسواق النفط في حالة ترقب شديد وحذر تام لمآلات الأزمة. ويؤكد المحللون أن العامل الحاسم في تحديد مسار الأسعار خلال الأسابيع القليلة المقبلة سيعتمد كلياً على مدى نجاح المساعي الدبلوماسية الدولية في احتواء التوترات وإعادة فتح مسارات الملاحة الآمنة، أو الانزلاق نحو تصعيد أوسع قد يدفع بأسعار “الذهب الأسود” إلى قمم غير مسبوقة تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي.