في وقت أصبح فيه العطاء الكويتي عنوانًا بارزًا للهوية الوطنية والإنسانية، لم يعد التحدي الحقيقي في حجم التبرعات، بل في وضوح المرجعيات التي توجه هذا العطاء وسلامة المسارات التي يسلكها.
يضم القطاع الخيري الكويتي حاليًا أكثر من 151 جمعية ومبرة مسجلة رسميًا لدى وزارة الشؤون الاجتماعية، تعمل كل منها باستقلالية تحت الإشراف الحكومي المباشر. وتتولى الوزارة – ممثلة في إدارة الجمعيات الخيرية والمبرات – الدور التنظيمي والرقابي الكامل، وفق القانون رقم 24 لسنة 1962 ولوائحه التنفيذية لعام 2025.
غير أن هذا التنوع الصحي يواجه تحديًا يتمثل في خلط الأدوار بين المرجعية التنظيمية الرسمية (التي تمثلها الوزارة حصرًا) وبين الأدوار التنسيقية والتمثيلية لبعض الجهات والمنصات. وقد يؤثر هذا الخلط على وعي المتبرع وثقته.
في بعض الحملات الإعلامية والمنشورات الرقمية، يُروَّج لمنصات تنسيقية بطريقة تجعلها تبدو البوابة الشاملة أو «المصدر الصحيح» الوحيد، مما قد يوحي للمتلقي العادي بانطباع غير دقيق عن شموليتها. كما تظهر حملات مرئية تجمع مشاهير ومؤثرين. والثابت أن الإشادة الإعلامية — مهما بلغت — لا تنشئ مرجعية تنظيمية قانونية، ولا تعيد تعريف الأدوار الرسمية المنصوص عليها في القانون.
إن الاتحاد الوطني للجمعيات والمبرات الخيرية والمنصة الوطنية الخيرية كيانان تنسيقيان مهمان، يساهمان في توحيد الجهود ومساندة أولويات الدولة. والقطاع الخيري أوسع وأكثر تنوعًا، إذ يضم جهات مستقلة تعمل تحت إشراف الوزارة مباشرة. أي انطباع بشمولية غير دقيقة قد يؤثر على توجيه التبرعات وعلى التنوع الصحي الذي يتمتع به القطاع.
لذلك، يظل الحفاظ على التكامل بين جميع الجهات أولوية، بعيدًا عن أي تنافس على الظهور. فالعمل الإنساني رسالة قائمة على الشراكة الحقيقية والجهد الجماعي.
والأهم أن المتبرع يستحق أدوات تحقق واضحة، حتى لا يعتمد على الحضور الإعلامي فقط. فتوجيه التبرعات يجب أن يكون مبنيًا على الواقع المؤسسي والتنظيمي.
ولتعزيز الشفافية وحماية القطاع، أرى أهمية:
• الإفصاح الدوري عن أعضاء مجالس الإدارات (مع مراعاة طبيعة المبرات القانونية).
• الالتزام باستخدام الاسم الرسمي والشعار المعتمد فقط في كل المنصات والحسابات.
إن العمل الخيري الكويتي ثروة وطنية وقوة ناعمة للدولة. والمطلوب فصل واضح بين:
• وزارة الشؤون الاجتماعية: المرجعية التنظيمية والرقابية الرسمية.
• الاتحادات والمنصات: الدور التنسيقي والتكاملي.
الوضوح ليس رفاهية، بل ضرورة وطنية تحمي ثقة المتبرع، وتحافظ على سمعة الكويت الإنسانية، وتعزز حوكمة القطاع بما يتوافق مع اللوائح.
في النهاية، أول ما يضيع عند اختلاط المرجعيات هو ثقة المتبرع، وهي الرأسمال الحقيقي للعمل الخيري. العطاء الحقيقي لا يُقاس بحجم الظهور، بل بصدق الأثر والالتزام بالإطار القانوني. والتبرع الواعي مسؤولية وطنية.