اعتاد كثير من الناس، عن وعي أو دون وعي، أن يتعاملوا مع قضايا ذوي الإعاقة من زاوية واحدة:
الجدّ، المعاناة، والخطاب العاطفي المباشر.
وكأن الإعاقة تُلزم صاحبها بنمط واحد من التعبير، ورسالة واحدة، وأسلوب محدد في الحضور المجتمعي.
لكن بعض التجارب تأتي لتكسر هذا القالب لا عبر الشعارات، بل عبر الفعل.
ومن هذه التجارب مسرحية «حبل قصير»، التي قدّمت نموذجًا مختلفًا في الفكرة والأسلوب، وأعادت طرح سؤال جوهري:
كيف ندمج الإنسان في الوعي قبل أن ندمجه في النظام؟
الكوميديا كأداة وعي لا كوسيلة ترفيه
الخطأ الشائع أن نربط الجدية بالعبوس، والقيمة بالثقل، والتأثير بالألم.
بينما تثبت التجارب الإنسانية أن الكوميديا من أعمق أدوات التغيير الاجتماعي، لأنها تصل إلى العقل دون مقاومة، وتفتح باب التفكير دون صدام.
في «حبل قصير»، لم تُستخدم الكوميديا لتخفيف الرسالة، بل لتكثيفها.
فالعمل تناول فكرة استغلال الإعاقة أو التحايل باسمها بأسلوب ذكي، ليؤكد أن الكذب – مهما طال – حبل قصير.
الضحك هنا لم يكن هدفًا، بل وسيلة واعية لإيصال القيم الأخلاقية بأسلوب بسيط، ملهم، وخالٍ من الوعظ.
وهنا تبرز نقطة محورية:
الاندماج الحقيقي لا يعني السماح بالمشاركة فقط، بل احترام حق الاختيار في أسلوب التعبير.
من الحديث عنهم… إلى امتلاك السرد
أحد أهم معاني الاندماج التي تسعى إليها المؤسسات اليوم هو الانتقال من:
    •    الحديث عن ذوي الإعاقة
إلى
    •    تمكينهم من الحديث بأنفسهم، وبأدواتهم، وبلغتهم
هذه المسرحية لم تكن عن ذوي الإعاقة، بل كانت بهم ومنهم:
    •    التمثيل
    •    تحريك الديكور
    •    إدارة المشهد
    •    الترجمة بلغة الإشارة
    •    وتمثيل واعٍ لتنوّع الإعاقات السمعية والحركية وغيرها
ما شهدناه على خشبة المسرح لم يكن إتاحة شكلية، بل امتلاكًا كاملًا للمشهد الثقافي.
وهذا هو جوهر الاندماج: أن يكون الإنسان شريكًا في صناعة الرسالة، لا موضوعًا لها.
حين يسبق النهج المؤسسي العرض
وإذا كانت التجربة الفنية قد نجحت في كسر الصور النمطية، فإن ما يقف خلفها من نهج مؤسسي لا يقل أهمية عن العرض ذاته.
فما شهدناه لم يكن نتاج مبادرة عابرة أو اجتهاد فردي، بل انعكاس لمسار واعٍ في التعامل مع ملف ذوي الإعاقة، تقوده معالي وزيرة الشؤون الاجتماعية الدكتورة أمثال الحويلة، وتُترجم ملامحه عمليًا الجهود التي تشرف عليها الدكتورة دلال العثمان وفريق عملها في الهيئة العامة لشؤون ذوي الإعاقة.
هذا المسار يتعامل مع ذوي الإعاقة بوصفهم طاقة قادرة على التعبير والإبداع والمشاركة في تشكيل الوعي العام، لا مجرد فئة تُدار ضمن إطار خدمي. وهو تحوّل مهم، لأن الملفات الإنسانية الحساسة لا تتقدّم بالقرارات وحدها، بل بفلسفة الإدارة التي تقف خلفها.
فالأداء المسرحي، بما حمله من إلقاء متقن، وحركة مدروسة، وتفاعل حي في الحوار، يكشف حجم الجهد التدريبي والعمل التراكمي الذي بُذل مع الفريق. وهذا يؤكد أن التمكين حين يُدار باحتراف، ويُمنح الوقت والمساحة، لا ينتج مشاركة رمزية، بل حضورًا واثقًا ومؤثرًا.
ومن هنا، يمكن قراءة هذا الدعم المؤسسي لا بوصفه رعاية لعمل فني، بل كإشارة واضحة إلى تحوّل في طريقة التفكير:
من الاكتفاء بتوفير الخدمة، إلى الاستثمار في الإنسان، وفي قدرته على أن يكون جزءًا من الوعي المجتمعي، لا هامشه.
ماذا تعني هذه التجربة للمؤسسات؟
كمؤسسات معنية بذوي الإعاقة، أو بالتنمية المجتمعية عمومًا، تفرض علينا هذه التجربة مراجعة صادقة:
    •    هل نقيس نجاحنا بعدد الخدمات؟
    •    أم بقدرتنا على تغيير النظرة المجتمعية؟
    •    هل نمنح ذوي الإعاقة مساحات للتعبير؟
    •    أم نكتفي بتمثيلهم بحسن نية؟
التمكين الحقيقي لا يقتصر على الإعانات أو الوظائف، بل يشمل الثقافة، والفن، والسرد، والحق في النقد والضحك والتجريب.
وهذا النوع من التمكين هو ما يصنع اندماجًا مستدامًا، لأنه يغيّر الوعي الجمعي لا الإجراءات فقط.
خلاصة
ما قدّمته مسرحية «حبل قصير» ليس مجرد عرض فني ناجح،
بل درس عملي للمجتمع والمؤسسات معًا:
الاندماج لا يتحقق بالشعارات،
ولا بالخطط المكتوبة وحدها،
بل حين نعيد توزيع المساحات،
ونترك لأصحاب القضية أن يقودوا رسالتهم بلغتهم هم.
أحيانًا…
كوميديا صادقة، يقودها أصحاب التجربة،
تنجح فيما تعجز عنه عشرات البرامج والسياسا .