في أوقات الاضطراب والأزمات، تتجه العقول غالبًا إلى تفسير الأحداث من زاوية سياسية أو اقتصادية، غير أن القرآن الكريم يقدم أحيانًا قراءة أعمق لطبيعة ما يحدث في حياة المجتمعات، ومن الآيات التي تستوقف المتأمل قول الله تعالى:
&o4831;أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَتَذَكَّرُونَ&o4830;
تشير هذه الآية إلى حقيقة إنسانية عميقة، وهي أن الفتن والابتلاءات ليست أحداثًا نادرة أو استثنائية، بل هي جزء من سنن الحياة التي تتكرر في مسيرة الأفراد والمجتمعات، فالإنسان قد يظن أن الاستقرار هو الحالة الدائمة، لكن القرآن يلفت النظر إلى أن الاختبار يتكرر، وأن الأزمات قد تعود مرة بعد أخرى، وكأنها رسائل متجددة تدعو الإنسان إلى المراجعة والتأمل.
ومن زاوية قيادية، تحمل هذه الآية دلالات مهمة في فهم طبيعة إدارة الأزمات وبناء المؤسسات.
أول هذه الدلالات أن الأزمات ليست مفاجأة مطلقة في حياة المجتمعات، فالآية تشير بوضوح إلى أن الفتنة قد تقع «في كل عام مرة أو مرتين»، وهذا يعني أن التحديات جزء من دورة الحياة، وأن القيادة الواعية لا تبني استراتيجياتها على افتراض الاستقرار الدائم، بل على الاستعداد الدائم للتقلبات والاختبارات.
القائد الذي يتعامل مع الأزمات بوصفها أحداثًا طارئة فقط، يبقى دائمًا في موقع رد الفعل، أما القائد الذي يدرك أن الاختبار سنة من سنن الحياة، فإنه يهيئ مؤسساته ونظمه وموارده البشرية للتعامل مع الأزمات قبل وقوعها.
الدلالة الثانية أن الأزمات تكشف المعادن الحقيقية، ففي أوقات الرخاء قد تختلط الأدوار وتتشابه المظاهر، لكن حين تشتد الظروف تظهر حقيقة الأشخاص والمؤسسات.
الأزمات تكشف قوة البناء الداخلي للمجتمع، وتظهر مدى تماسك المؤسسات، كما تكشف القيادات القادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
ولهذا كثيرًا ما تكون الأزمات لحظة فاصلة تعيد ترتيب الصفوف وتظهر الطاقات الحقيقية التي قد لا تظهر في الأوقات العادية.
أما الدلالة الثالثة فهي أن المشكلة ليست في وقوع الفتنة، بل في عدم التعلم منها، فالآية لا تركز على حدوث الابتلاء بقدر ما تشير إلى خلل أعمق حين تقول: «ثم لا يتوبون ولا هم يتذكرون»، أي أن الفتنة قد تتكرر، لكن الخطر الحقيقي هو أن تمر دون مراجعة أو تصحيح للمسار.
وفي حياة المؤسسات، كثيرًا ما تتكرر الأخطاء نفسها لأن التجارب لا تتحول إلى معرفة، والأزمات لا تتحول إلى دروس، أما القيادة الناضجة فهي التي تحول كل تجربة صعبة إلى فرصة للتعلم وإعادة البناء.
وتكشف الآية أيضًا عن معنى آخر بالغ الأهمية، وهو أن الأزمات قد تكون رسائل مبكرة لتصحيح المسار، فالتكرار الذي تشير إليه الآية يوحي بأن الفرص تُعطى للإنسان مرارًا قبل أن تتفاقم الأخطاء، وكأن الابتلاءات المتكررة تنبيه يدعو إلى المراجعة قبل الوصول إلى مرحلة أخطر.
ومن هنا فإن القائد الحكيم لا ينظر إلى الأزمة بوصفها مجرد مشكلة ينبغي تجاوزها، بل يقرأها باعتبارها رسالة تكشف مواضع الخلل في النظام أو الإدارة أو العلاقات داخل المؤسسة.
وتبقى العبارة الأخيرة في الآية هي الأكثر عمقًا: «ولا هم يتذكرون»، فالمشكلة في كثير من الأحيان ليست نقص المعلومات ولا غياب الحقائق، بل ضعف الوعي وعدم القدرة على التذكر والتأمل، فكم من مؤسسات رأت الأخطاء أمامها لكنها استمرت في المسار نفسه، وكم من قيادات أدركت مواطن الخلل لكنها لم تتخذ قرار التغيير.
إن التأمل في هذه الآية يذكرنا بأن الأزمات ليست مجرد أحداث عابرة في حياة المجتمعات، بل هي سنن تحمل في طياتها رسائل عميقة، فهي تكشف الحقائق، وتختبر القيادات، وتمنح الفرصة لتصحيح المسار.
ولهذا فإن الفرق الحقيقي بين المجتمعات لا يكمن في وقوع الأزمات، فذلك أمر يكاد يكون مشتركًا بين جميع الأمم، وإنما يكمن في قدرتها على التعلم منها، فالمجتمعات الواعية تحول الأزمات إلى دروس، وتجعل من الفتن مراحل للنضج، وتخرج من كل اختبار أكثر قوة وتماسكًا.
وحين يتحقق هذا الوعي، تتحول الفتنة من لحظة اضطراب إلى فرصة لبناء مستقبل أكثر رسوخًا وثباتًا.