لطالما شُغفنا بمصطلح صناعة القادة، وكأن القيادة منتجٌ يُصمَّم، ثم يُغلَّف، ثم يُسلَّم في نهاية دورة تدريبية. ومع اتساع برامج إعداد القيادات، وتكاثر مراكز “تخريج القادة”، بات السؤال ملحًّا:
هل نحن فعلًا نصنع القائد الذي يحتاجه المجتمع؟ أم نعيد إنتاج نموذج مريح للمؤسسات فقط؟
وهم الصناعة
مصطلح صناعة القائد يحمل في داخله افتراضًا خطيرًا:
أن القيادة مهارة تقنية يمكن ضبطها، ونسخها، وتكرارها.
لكن الواقع يُظهر أن كثيرًا من “القادة المصنوعين” يبدون لامعين في القاعات، متماسكين في العروض، ثم يتآكل حضورهم عند أول اختبار حقيقي: أزمة، صدام قيمي، أو قرار مكلف.
المشكلة ليست في التدريب، بل في الفلسفة التي تقف خلفه.
حين ننشغل بشكل القائد قبل رحلته، نختزل القيادة في سلوكيات، ونغفل عن السياق، والتجربة، والكلفة الأخلاقية.
القيادة ليست منتجًا… بل مسار
البديل الأكثر نضجًا هو الانتقال من سؤال:
كيف نصنع قائدًا؟
إلى سؤال أعمق:
كيف نبني مسارًا قياديًا؟
المسار القيادي لا يبدأ بالقائد، بل بالإنسان.
يعترف بأن القيادة:
• لا تُمنَح دفعة واحدة
• ولا تُقاس قبل أن تُختبَر
• ولا تنضج دون احتكاك حقيقي بالواقع
في المسار القيادي، لا نبحث عن نسخة مثالية، بل عن تطوّر صادق.
ماذا يعني بناء المسار القيادي عمليًا؟
بناء المسار القيادي يعني الانتقال من “النتيجة السريعة” إلى “الرحلة العميقة”، عبر مراحل متراكبة:
1. مرحلة الانكشاف
حيث يواجه الفرد ذاته، وقيمه، وحدود قدرته، بعيدًا عن الأقنعة.
2. مرحلة المسؤولية
حيث تُمنح قرارات حقيقية، وتُحاسَب نتائج، ويُسمح بالخطأ دون التستّر عليه.
3. مرحلة التأثير
حيث لا يكتفي القائد بإدارة المهام، بل يدير الخلاف، ويصنع المعنى، ويؤثر في الآخرين.
4. مرحلة التحوّل
حيث لا يعود القائد جزءًا من النظام فقط، بل قادرًا على إعادة تعريفه عند الحاجة.
هذا المسار لا يصنع قادة متشابهين، بل قيادات متكاملة، تختلف أدوارها وتلتقي في القيم.
لماذا يحتاج المجتمع هذا التحول؟
لأن المجتمعات لا تنهض بقائد واحد، بل بمنظومة قيادية.
وحين نُصرّ على نموذج واحد للقائد، فإننا:
• نقصي المختلف
• نخاف من الجريء
• ونكافئ الامتثال أكثر من الحكمة
أما المسار القيادي، فيسمح بتنوّع الأنماط، وتكامل الأدوار، وظهور قادة قد لا يشبهون الإدارة… لكنهم يشبهون اللحظة.
الخلاصة
صناعة القادة قد تُرضي المؤسسات.
لكن بناء المسار القيادي هو ما يخدم المجتمع.
القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الشهادات، ولا بعدد الدورات، بل بقدرة القائد على:
• تحمّل القرار
• دفع الكلفة
• والبقاء واقفًا حين يصبح الطريق غير مريح
ولعل السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم بجرأة هو:
هل نريد قادة يُجيدون تمثيل النموذج؟ أم قادة يجرؤون على كسره حين يصبح عائقًا؟