في عالم تتسارع فيه المعلومات، وتتشكل فيه الانطباعات خلال لحظات، لم تعد العلاقات العامة مجرد إدارة تُعنى بالنشر أو التغطيات الإعلامية، بل أصبحت شريكًا استراتيجيًا في صناعة الصورة الذهنية، وبناء الثقة، وتعزيز الاستدامة المؤسسية.
وفي القطاع الخيري تحديدًا، تتضاعف أهمية هذا الدور، لأن المؤسسة لا تتعامل مع منتج تجاري، بل مع رسالة إنسانية، وأمانة مجتمعية، وتبرعات تُمنح بثقة وتُدار بمسؤولية.
في هذا الحوار الخاص، نسلط الضوء على دور العلاقات العامة في نماء الخيرية بجمعية الإصلاح الاجتماعي، وأثرها في التسويق الخيري، وتعزيز البيئة الداخلية والخارجية، وتحقيق التواصل الفعّال، من خلال حديث شامل مع مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام الأستاذ وليد الكندري.
- الصورة الذهنية في العمل الخيري هي رأس المال الحقيقي
- التسويق لا يعني البيع بل تحفيز المجتمع على المشاركة في صناعة الخير
< كيف تنظرون إلى دور العلاقات العامة والإعلام في نماء الخيرية اليوم؟
العلاقات العامة في نماء الخيرية لم تعد تقتصر على إصدار البيانات الصحفية أو تغطية الفعاليات، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في منظومة التخطيط الاستراتيجي للمؤسسة. نحن ننطلق من قناعة واضحة بأن العمل الخيري لا يكتمل بتنفيذ المشروع فحسب، بل بإيصال رسالته، وشرح أهدافه، وقياس أثره، وتعزيز ثقة المجتمع به.
اليوم، العلاقات العامة تمثل حلقة الوصل بين المؤسسة وجمهورها بمختلف شرائحه: المتبرعون، الشركاء، المستفيدون، الإعلام، والمتطوعون. نحن نعمل على صياغة خطاب إعلامي يعكس قيم نماء القائمة على المصداقية والاحترافية والشفافية، ويبرز الأثر الإنساني الحقيقي للمشاريع.
بمعنى آخر، نحن لا ننقل الخبر فقط، بل نصنع الرواية المتكاملة التي تشرح من نحن، ولماذا نعمل، وكيف نحدث الفرق.
ما أهمية الصورة الذهنية في القطاع الخيري؟
الصورة الذهنية في العمل الخيري هي رأس المال الحقيقي. في القطاع التجاري قد تُقاس القوة بحجم المبيعات، أما في القطاع الخيري فتُقاس بحجم الثقة.
المتبرع حين يساهم، فهو لا يقدم مالًا فحسب، بل يمنح المؤسسة أمانة، ويتوقع منها إدارة رشيدة، وتنفيذًا دقيقًا، وأثرًا ملموسًا.
الصورة الذهنية تُبنى عبر تراكم التجارب، وليس عبر حملة واحدة. كل مشروع ناجح، كل تقرير شفاف، كل استجابة سريعة، وكل قصة إنسانية موثقة تسهم في تعزيز هذه الصورة. وفي المقابل، أي خلل في التواصل أو نقص في الوضوح قد يؤثر سلبًا.
لذلك نحرص في نماء الخيرية على أن تكون رسالتنا الإعلامية منسجمة مع أدائنا الواقعي، لأن أقوى صورة ذهنية هي تلك التي تعكس الحقيقة دون مبالغة.
< كيف تسهم العلاقات العامة في دعم التسويق لمشاريع نماء؟
في العمل الخيري، التسويق لا يعني البيع، بل يعني تحفيز المجتمع على المشاركة في صناعة الخير.
العلاقات العامة تلعب دورًا محوريًا في هذا الجانب من خلال:
صياغة رسائل مؤثرة تستند إلى الاحتياج الحقيقي.
توظيف القصص الإنسانية لإيصال الأثر.
تقديم بيانات وإحصاءات تعزز مصداقية الطرح.
اختيار القنوات المناسبة للوصول إلى الفئة المستهدفة.
نحن نؤمن بأن التسويق الخيري الفعّال يخاطب القلب والعقل معًا. القلب عبر القصة الإنسانية التي تلامس المشاعر، والعقل عبر الأرقام والنتائج التي تعزز الثقة.
كما نعتمد على التخطيط المسبق للحملات الموسمية مثل رمضان، بحيث تكون الرسائل واضحة، والهوية البصرية موحدة، وأهداف الحملة محددة بمؤشرات أداء قابلة للقياس.
< ما أهمية تعزيز البيئة الداخلية داخل المؤسسة؟
البيئة الداخلية هي المحرك الحقيقي لأي مؤسسة. إذا كان الفريق يعمل بروح إيجابية، ويشعر بالتقدير والانتماء، فإن ذلك ينعكس مباشرة على جودة العمل والأداء الإعلامي والتنفيذي.
في نماء الخيرية، نحرص على:
تعزيز ثقافة العمل بروح الفريق.
إشراك الموظفين في النجاحات.
توفير قنوات تواصل داخلية واضحة.
نقل المستجدات والإنجازات بشفافية.
العلاقات العامة لا تخاطب الخارج فقط، بل تبدأ من الداخل. الموظف هو أول سفير للمؤسسة، وإذا كان مقتنعًا برسالتها وفخورًا بها، فإنه ينقل صورة إيجابية تلقائيًا للمجتمع.
البيئة الداخلية الصحية تخلق استقرارًا، والاستقرار ينعكس في استدامة الأداء وجودته.
< كيف يتم تعزيز البيئة الخارجية للمؤسسة؟
البيئة الخارجية تشمل كل من يتعامل مع المؤسسة أو يتأثر بها. تعزيزها يتطلب استراتيجية واضحة قائمة على:
الشفافية في عرض المشاريع والتقارير.
سرعة الاستجابة للاستفسارات.
بناء شراكات استراتيجية مع جهات موثوقة.
الحضور الإعلامي الفعّال.
نحن نحرص على أن تكون علاقتنا مع المتبرعين علاقة تواصل مستمر، لا علاقة موسمية. نوافيهم بالتقارير، ونطلعهم على نتائج مساهماتهم، ونوضح أثر تبرعاتهم بالأرقام والقصص.
كما أن التعاون مع وسائل الإعلام يعزز وصول الرسالة، ويعطي المؤسسة حضورًا مؤسسيًا يعكس جديتها ومهنيتها.
< ما المقصود بالتواصل الفعّال في العمل الخيري؟
التواصل الفعّال يعني وضوح الرسالة، ودقة المعلومة، واختيار التوقيت المناسب، والمنصة المناسبة، والجمهور المناسب.
في نماء الخيرية نعتمد على استراتيجية تواصل متعددة القنوات تشمل الإعلام التقليدي، والمنصات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي. كما نحرص على قياس التفاعل وتحليل البيانات لمعرفة مدى وصول الرسالة وتأثيرها.
التواصل الفعّال ليس فقط في إرسال الرسالة، بل في الاستماع أيضًا. ملاحظات الجمهور، واقتراحاتهم، وحتى نقدهم البنّاء، تمثل مصدرًا مهمًا للتطوير.
< ما أبرز التحديات التي تواجه العلاقات العامة في القطاع الخيري؟
من أبرز التحديات:
سرعة انتشار المعلومات عبر المنصات الرقمية.
كثرة الحملات والمبادرات مما يتطلب تميزًا في الطرح.
لكن في المقابل، هذه التحديات تمثل فرصًا كبيرة، فالتقنيات الحديثة أتاحت لنا الوصول إلى جمهور أوسع، وتوثيق المشاريع بالصوت والصورة، ونقل الواقع بشكل مباشر، مما يعزز الثقة.
نحن نعمل باستمرار على تطوير أدواتنا الإعلامية، وتدريب كوادرنا، ومواكبة التطورات التقنية لضمان حضور قوي ومؤثر.
< كيف ترون مستقبل العلاقات العامة في نماء الخيرية؟
نطمح إلى تعزيز التحول الرقمي، وتطوير المحتوى الإنساني الاحترافي، وبناء قاعدة بيانات تحليلية تساعد في فهم سلوك الجمهور واحتياجاته.
كما نسعى إلى ترسيخ ثقافة القياس، بحيث لا يقتصر التقييم على عدد المشاهدات، بل يشمل الأثر الفعلي للحملات في زيادة التفاعل والمشاركة.
هدفنا أن تبقى نماء الخيرية نموذجًا في العمل المؤسسي المنظم، وأن تكون صورتها الذهنية انعكاسًا صادقًا لجهودها الميدانية.
حين غيّرتهم الرحلة..
شباب الكويت بين النعمة والمسؤولية
لم تكن البداية أكثر من مقطعٍ قصير على الهاتف.
مشاهد لمتطوعي نماء الخيرية وهم يوزعون السلال الغذائية، يحتضنون الأطفال، ينصبون خيامًا، يبتسمون رغم التعب. كان الفيديو عابرًا في زمنٍ يمتلئ بالمحتوى، لكنه لم يكن عابرًا في قلوب خمسة شباب من الكويت جلسوا تلك الليلة في استراحةٍ يتبادلون الأحاديث المعتادة.
سالم قال وهو يعيد المقطع:
«شفتوا الابتسامة هذي؟ تخيلوا إنك أنت السبب فيها.»
ساد صمتٌ قصير… صمتٌ لم يكن فراغًا، بل سؤالًا.
هل يمكن أن نكون نحن هناك؟
هل نستطيع أن نفعل شيئًا يتجاوز حدود الكلام؟
في الأيام التالية، لم يغادرهم المشهد. صور الأطفال في المخيمات، نظرات الأمهات، المتطوعون وهم يعملون بصمت. شعروا بشيءٍ يتشكل داخلهم؛ خليط من الامتنان لما يعيشونه، ومن الشعور بالمسؤولية تجاه من يعيشون النقيض.
قرروا أن يتواصلوا مع نماء الخيرية.
لم يكونوا يعرفون ماذا ينتظرهم، لكنهم كانوا يعرفون شيئًا واحدًا: أنهم لا يريدون أن يبقوا مشاهدين.
استقبلتهم الإدارة بابتسامةٍ وترحيب، وبدأت رحلة التنسيق والتدريب. تعرّفوا على طبيعة العمل الميداني، على أهمية التنظيم، على معنى أن يكون التطوع التزامًا لا حماسًا مؤقتًا. أدركوا أن العمل الخيري ليس مجرد توزيع مساعدات، بل رسالة تُحمل بأمانة.
ثم جاء اليوم الذي صعدوا فيه إلى الطائرة متجهين إلى الأردن، حيث مخيمات اللاجئين السوريين والفلسطينيين.
في الطائرة، كان الحماس يمتزج بشيءٍ من القلق.
هل سنستطيع التحمل؟
هل سنكون على قدر المسؤولية؟
لكن ما إن وطأت أقدامهم أرض المخيم، حتى تبدلت الأسئلة.
الخيام تمتد كأنها بحرٌ من القماش الأبيض. طرقات ترابية، أطفال حفاة، وأمهات بوجوهٍ أنهكها الانتظار. لم تكن الصور كما في الشاشات… كانت أعمق، وأثقل، وأصدق.
في اليوم الأول، شاركوا في توزيع الطرود الغذائية.
كانوا يظنون أنهم ذاهبون ليعطوا، لكنهم اكتشفوا أنهم يتلقون.
طفلٌ صغير أمسك بيد أحمد وقال:
«شكراً لأنك جيت.»
كلمتان بسيطتان، لكنهما سقطتا في قلبه كزلزال. لم يقل الطفل “شكراً على السلة”، بل قال “لأنك جيت”. أدرك حينها أن الحضور بحد ذاته قيمة.
في زاويةٍ أخرى، كانت أمٌ سورية ترتب محتويات الطرد بعناية، وكأنها تستقبل ضيفًا عزيزًا. رفعت رأسها وقالت:
«الله يديم عليكم النعمة.»
تلك الجملة… كانت فاصلة.
في تلك الليلة، عاد الشباب إلى مقر إقامتهم بصمتٍ مختلف. لم يكن صمت تعبٍ جسدي، بل صمت تأمل. سالم الذي كان يشتكي من تأخر طلبه في أحد المطاعم، تذكر كيف أن بعض الأسر هنا تنتظر وجبة واحدة تكفي يومها. فهد الذي كان يتذمر من زحمة الطريق، رأى كيف أن المخيم بأكمله طريقٌ بلا وجهة واضحة.
بدأوا يرون حياتهم من زاويةٍ أخرى.
في الأيام التالية، شاركوا في أنشطة مع الأطفال. رسموا معهم، لعبوا، استمعوا لحكاياتهم عن بيوتٍ تركوها وألعابٍ فقدوها. أحد الأطفال رسم بيتًا كبيرًا بشجرة زيتون وقال:
«هذا بيتنا… بس بعيد.»
لم يعرفوا ماذا يقولون، لكنهم عرفوا أن مهمتهم ليست فقط تقديم مساعدة، بل أن يكونوا حضورًا يُشعر هؤلاء الأطفال أنهم غير منسيين.
شيئًا فشيئًا، تبدل داخلهم شيء عميق.
لم تعد النعمة مجرد كلمة تُقال، بل شعور يُعاش. بدأوا يحمدون الله على أشياءٍ كانوا يعتبرونها عادية: بيتٌ آمن، ماءٌ بارد، عائلة تجتمع حول مائدة، وطن مستقر.
قال بدر في إحدى الليالي:
«كنا نظن إننا جايين نغيّر حياتهم… بس الظاهر إنهم هم اللي غيروا حياتنا.»
عندما عادوا إلى الكويت، لم يعودوا كما كانوا.
لم تعد المجالس تدور حول تفاصيلٍ صغيرة، بل حول أفكارٍ أكبر: كيف نستمر؟ كيف ننقل الصورة؟ كيف نكون سفراء لهذا الخير؟
بدأوا ينظمون مبادرات تطوعية محلية، يشجعون أصدقاءهم على الانضمام، يتحدثون في مدارسهم وجامعاتهم عن تجربتهم. لم تكن الرحلة مجرد أسبوعٍ في مخيم، بل كانت نقطة تحول.
تعلموا أن التطوع ليس ترفًا، بل مسؤولية.
أن العطاء لا ينقص، بل يزيد.
أن رؤية المعاناة عن قرب تزرع في القلب امتنانًا دائمًا.
وفي إحدى الأمسيات، أعادوا مشاهدة الفيديو الذي كان سبب البداية.
ابتسموا… لكن هذه المرة كانوا يرون أنفسهم بين أولئك المتطوعين.
لقد فهموا أخيرًا أن النعمة لا تُحفظ إلا بالشكر، وأن الشكر لا يكون بالكلمات فقط، بل بالفعل.
وهكذا، بدأت القصة بمقطعٍ عابر، وانتهت برسالةٍ حياة:
أن شباب الكويت حين يرون الألم، لا يكتفون بالمشاهدة… بل يتحركون.
وأن التطوع ليس رحلةً إلى مخيم، بل رحلةٌ إلى أعماق النفس… حيث يولد الامتنان، وتكبر المسؤولية، ويصبح الحمد أسلوب حياة.