في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع غير الربحي محليًا ودوليًا، بات العمل الخيري في الكويت أمام مرحلة جديدة عنوانها الحوكمة، والتكامل المؤسسي، والالتزام بالمعايير الدولية، دون أن يفقد روحه الإنسانية الأصيلة التي شكّلت عبر عقود هوية الكويت ومكانتها الريادية في ميادين العطاء.
وفي هذا الحوار الخاص، يفتح سعد مرزوق العتيبي، رئيس اتحاد الجمعيات والمبرات الخيرية، نافذةً على واقع التنسيق بين الاتحاد ووزارة الشؤون الاجتماعية، ويستعرض أبرز المبادرات التي أسهمت في تعزيز الاحتراف المؤسسي، كما يتناول التحديات التنظيمية، ومستقبل العمل الخيري في ضوء رؤية الكويت 2035، والتعامل المؤسسي مع المتغيرات الدولية مثل متطلبات مجموعة العمل المالي (fatf).
حوار يكشف كيف يتحول العمل الخيري من مبادرات فردية إلى منظومة استراتيجية متكاملة، تحفظ الثقة، وتصون السمعة، وتؤسس لمستقبل أكثر نضجًا واستدامة.
< ما الدور الذي يقوم به الاتحاد في تنسيق العمل الخيري مع وزارة الشؤون الاجتماعية؟
- الاتحاد لا يعمل ككيان موازٍ للوزارة، بل كجسر تنظيمي وفني بين الجمعيات الأعضاء ووزارة الشؤون الاجتماعية، فالدور الأساسي يتمثل في توحيد الرؤى حول آليات العمل والضوابط، نقل التحديات والملاحظات من الميدان إلى صانع القرار بالإضافة إلى صياغة مقترحات تطويرية مستندة إلى التجربة العملية.
وزارة الشؤون تمثل الجهة الإشرافية والتنظيمية، بينما يمثل الاتحاد الذراع التنسيقية والتطويرية، هذا التكامل يحول العلاقة من مجرد رقابة إلى شراكة حقيقية هدفها الارتقاء بالقطاع، كما أن الاتحاد يعمل على ترسيخ مفهوم “الالتزام الاستباقي”، بحيث لا تنتظر الجمعيات التنبيه أو المخالفة، بل تبادر بالامتثال للأنظمة من خلال الأدلة الإرشادية والورش التوعوية التي ينظمها الاتحاد بالتنسيق مع الوزارة، كما يساهم بشراكة استراتيجية مع وزارة الشؤون في اطلاق العديد من المبادرات التي تستهدف الوصول إلى الشرائح الأكثر احتياجاً ويسعى لتذليل العقبات التي تواجه الجمعيات والمبرات الخيرية.
<ما هي أبرز مبادرات الاتحاد؟
- أطلق الاتحاد العديد من المبادرات والتي تستهدف تطوير العمل الخيري والإنساني، مثل جائزة العم خالد العيسى الصالح للتميز المؤسسي فالجائزة كانت بمثابة تقييم للكثير من الجمعيات الخيرية خاصة وأن النسخة الأخيرة منها كانت بشراكة استراتيجية مع وزارة الشؤون الاجتماعية من خللا وجود ممثل رسمي لهم في لجنة التحكيم، كما نظم الاتحاد ملتقى “أيتامنا عهد وميثاق”، الذي جمع 16 دولة مهتمة برعاية الأيتام كما أن الملتقى أطلق الميثاق العالمي لرعاية الأيتام، ليعكس التزام الكويت بتقديم العناية والرعاية لهذه الفئة، بالإضافة إلى ذلك، عقد الاتحاد العديد من ورش العمل التي ساهمت في تبادل الخبرات والتجارب بين الجمعيات، مما ساهم في رفع كفاءة الأداء وتحقيق التكامل بينها.
< هل هناك برامج أو مبادرات تمت بفضل هذا التنسيق؟
- بالتأكيد، فالتنسيق المثمر أدى إلى إطلاق مبادرات نوعية مثل مبادرة “ملتزمون” التي تهدف إلى تعزيز ثقافة الالتزام بالضوابط والأنظمة خلال موسم رمضان، وهذه المبادرة ليست مجرد إجراء تنظيمي، بل تأكيد على الواجب الشرعي والأخلاقي الذي يحمله العمل الخيري، حيث يمثل شهر رمضان المبارك موسماً للتكافل الاجتماعي، ما يجعل الالتزام بالضوابط ضرورة لضمان وصول التبرعات إلى مستحقيها بعدالة وشفافية، فالثقة التي يضعها المتبرعون في المؤسسات الخيرية تتطلب أقصى درجات الدقة والنزاهة لضمان تحقيق الأثر الإيجابي المرجو، والمبادرة تأتي تماشياً مع رؤية الدولة في التحول الرقمي.
وانطلاق «ملتزمون» للعام الثاني على التوالي تثبت الكويت مرة أخرى أنها ليست فقط واحةً للعطاء، بل نموذج يحتذى في العمل الخيري المنظم والمستدام، حيث تتكامل الجهود بين الحكومة والمجتمع المدني لضمان تنفيذ مشاريع رمضان الخيرية، بكل مصداقية وشفافية وفاعلية، لينعم المستفيدون بمساعدات تصلهم في وقتها، وبطريقة تحقق المقاصد الشرعية للعمل الخيري.
< هل هناك ركائز أساسية للمبادرة؟
- الركائز الأساسية للمبادرة تنطلق من أربعة محاور أساسية لضمان موسم رمضاني خالٍ من المخالفات، وهي التقيد بالقوانين واللوائح الناظمة للعمل الخيري، لضمان احترام المنظومة القانونية وتعزيز ثقة المجتمع في الجمعيات والمبرات، وتعزيز الشفافية في جمع التبرعات وصرفها، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وفق معايير العدالة والمصداقية وتحليل المخالفات السابقة ومعالجتها، لتلافي الأخطاء التي حدثت في المواسم الماضية والارتقاء بأداء الجمعيات وتبادل الخبرات بين الجمعيات والمبرات الخيرية، للارتقاء بجودة المشاريع وتحقيق أعلى مستويات الكفاءة والاستدامة.
< كيف تُحافظ هذه الشراكة على سمعة العمل الخيري الكويتي؟
- سمعة العمل الخيري هي أمانة في أعناقنا جميعًا، فالتنسيق مع وزارة الشؤون يُسهِّل وضع ضوابط واضحة وموحدة تُطبق على كل الجمعيات والمبرات، مما يضمن التعامل بحرفية ومساءلة، هذا التنظيم يُعزِّز ثقة المجتمع في مؤسسات العمل الخيري، ويزيد من التبرعات والمشاركة، لأنه يلمس الناس النزاهة والشفافية في الأداء، وقد بنيت سمعة العمل الخيري في الكويت على ثلاثة أعمدة هي الشفافية، الالتزام القانوني، الاحتراف المؤسسي والتنسيق مع الوزارة يضمن توحيد الإجراءات، ما يمنع التضارب أو الاجتهادات الفردية التي قد تؤثر على الصورة العامة، كما أن العمل المنظم يعزز ثقة المتبرعين، ويؤكد أن أموالهم تدار وفق أنظمة واضحة وتحت رقابة رسمية، مما يحافظ على مكانة الكويت الإنسانية إقليميًا ودوليًا.
< كيف يرى الاتحاد تطور العمل الخيري في الكويت عبر هذه الشراكة؟
- نرى تطورًا إيجابيًا ملحوظًا، فالعمل الخيري في الكويت لم يعد مقتصرًا على المساعدة الفورية فقط، بل أصبح أكثر احترافية، مؤسسيًا، ومستدامًا، فالشراكة مع الوزارة ساهمت في ترسيخ مفهوم التخطيط طويل المدى، وتحسين توزيع الموارد، ورفع مستوى الخدمات، وتطوير المشاريع لتصبح تنموية وتؤثر في المجتمعات بشكل أعمق.
< في رأيك، ما أهم التحديات التي تواجه هذا التنسيق، وكيف يتم معالجتها؟
- التحديات موجودة في كل عمل جماعي، لكن أهمها أحيانًا هو مواءمة الأطر التنظيمية مع واقع الجمعيات المختلفة، ونحن نتعامل مع هذا التحدي عبر الحوار المستمر، دعم الجمعيات تدريجيًا نحو الاشتراطات، وتقديم الدعم الفني والاستشاري لكيفية تطبيق الضوابط، مما يجعل الانتقال نحو الامتثال التنظيمي سلسًا ومنتجًا.
< كيف تنظر إلى مستقبل العمل الخيري في الكويت مع استمرار هذه الشراكات؟
أنا متفائل جدًا، فالتنسيق المؤسسي مع الجهات الحكومية، ممثلة في وزارة الشؤون الاجتماعية، يُبشر بمستقبل أكثر تنظيمًا واستدامة للعمل الخيري، نطمح أن تصبح الكويت نموذجًا يُحتذى به في العمل الخيري المتكامل، لا على الصعيد المحلي فحسب، بل أيضًا في الدعم الدولي، وذلك عبر تشبيك المؤسستين الرسمية والأهلية في شراكات استراتيجية واضحة.
< ما رؤيتكم لمستقبل العمل الخيري في الكويت؟
- رؤيتنا لمستقبل العمل الخيري في الكويت ترتكز على خمسة مسارات استراتيجية تهدف إلى تحويل العمل الإنساني من جهود فردية أو مؤقتة إلى منظومة مؤسسية مستدامة وذات أثر عميق. أولًا، تعزيز الحوكمة يُعد حجر الزاوية في هذه الرؤية، من خلال وضع ضوابط وإجراءات واضحة تضمن الشفافية والمساءلة، وتضمن أن كل مشروع خيري يُنفذ وفق أعلى معايير الجودة والمهنية، مما يعزز ثقة المجتمع في مؤسساتنا الخيرية ويزيد من فاعلية المساهمات.
ثانيًا، توظيف التكنولوجيا أصبح جزءًا لا يتجزأ من العمل الخيري، سواء في تسهيل التبرعات أو في مراقبة توزيع الموارد، وقياس أثر المشاريع بشكل دقيق، ما يسهم في تحسين الأداء وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه.
ثالثًا، نسعى إلى توسيع الشراكات الدولية، عبر التعاون مع المنظمات العالمية والأمم المتحدة، للاستفادة من الخبرات الدولية وتوسيع نطاق المشاريع الخيرية الكويتية إلى أبعد مدى، بما يعكس ريادة الكويت في العمل الإنساني على الصعيد العالمي.
رابعًا، دعم المشاريع التنموية طويلة الأمد يمثل أحد أهم أهدافنا، حيث نركز على تمكين الأسر والمجتمعات، من خلال مشاريع تعليمية وصحية واقتصادية مستدامة، لتصبح هذه المبادرات أدوات لتغيير حقيقي في حياة المستفيدين وليس مجرد دعم مؤقت.
خامسًا وأخيرًا، نحرص على تمكين الكوادر الوطنية الشابة، عبر التدريب والتأهيل، وإعطائهم الفرصة للمساهمة في صناعة مستقبل العمل الخيري، لضمان استمرارية الجيل القادم في قيادة القطاع بكفاءة وابتكار.
كل هذه المسارات تتكامل ضمن رؤية الكويت 2035، التي تؤكد على أن المجتمع المدني ليس جهة داعمة فحسب، بل شريك فاعل في التنمية، يسهم في بناء مجتمع متماسك، مستدام، وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية بكل ثقة وكفاءة.
في ظل إدراج بعض الدول ضمن آلية المتابعة المتزايدة لمجموعة العمل المالي (fatf)، كيف يمكن للقطاع الخيري أن يتعامل مع هذه المرحلة دون أن تتأثر رسالته الإنسانية أو تتراجع ثقته محليًا ودوليًا؟
التعامل مع هذه المرحلة يجب أن ينطلق من فهمها بوصفها إجراءً فنيًا تنظيميًا يهدف إلى تطوير المنظومة الرقابية، وليس حكمًا على نزاهة القطاعات الوطنية. إدراج الدولة ضمن القائمة الرمادية لا يعني وجود فساد ممنهج، بل يشير إلى وجود نواقص استراتيجية تستدعي المعالجة ضمن إطار زمني محدد.
بالنسبة للقطاع الخيري، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الامتثال ذاته، بل في كيفية إدارة التوازن بين الالتزام بالمعايير الدولية والحفاظ على سرعة ومرونة العمل الإنساني. المطلوب ليس خطابًا دفاعيًا، بل رؤية مؤسسية تعيد التموضع، من خلال تعزيز أنظمة الامتثال الداخلي، وتطوير أدوات التتبع المالي، وإدخال إدارة المخاطر كجزء أساسي من الحوكمة.
عندما يتحول الامتثال من عبء إداري إلى ثقافة داخلية، يصبح عنصر قوة لا نقطة ضعف. فالشفافية لا تنتقص من الرسالة الإنسانية، بل تحميها، وتعزز ثقة الشركاء الدوليين والمتبرعين والمستفيدين على حد سواء.
المرحلة الحالية تمثل فرصة للقطاع غير الربحي كي يرسّخ مكانته كشريك في تطوير البيئة التنظيمية، لا كطرف خاضع للرقابة فقط. والثقة – وهي رأس المال الحقيقي لأي عمل إنساني – تُبنى عبر الحوكمة الرشيدة والتكامل بين الدولة والقطاع الأهلي.
السؤال الأهم ليس كيف نتجنب الضغوط، بل كيف نستثمرها لبناء نموذج أكثر نضجًا، وأكثر قدرة على حماية رسالته الإنسانية ضمن إطار عالمي يتطلب أعلى درجات الشفافية والمساءلة.
< وختامًا… ما الرسالة التي توجهها للمجتمع حول هذا التنسيق؟
- رسالتي بسيطة وواضحة: العمل الخيري مسؤولية مشتركة، ومسيرة التنمية لا تُبنى بمعزل عن الشراكات الفاعلة، لكل فرد في المجتمع دور، سواء بتقديم الدعم، أو بالمشاركة في المبادرات التطوعية، أو بالثقة في مؤسساتنا الخيرية التي تعمل بتوجيهات مؤسسية واضحة وشراكات استراتيجية مع الجهات الرسمية لخدمة الإنسان وصون كرامته.
«من قيم نماء الخيرية»
المؤسسية… حين يتحول العمل الخيري من اجتهاد فردي إلى صناعة أثر مستدام
في عالم يتسارع فيه التغيير، لم يعد العمل الخيري يقاس بحجم التبرعات فقط، ولا بعدد المشاريع المنفذة، بل بمدى قدرته على الاستدامة، والانضباط، وقياس الأثر الحقيقي في حياة الإنسان. ومن هنا تتجلى قيمة المؤسسية كإحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها نماء الخيرية، لتكون بوصلتها في التخطيط، والتنفيذ، والتطوير.
المؤسسية ليست مجرد هيكل تنظيمي أو لوائح مكتوبة، بل ثقافة متكاملة تنظم العمل، وتضبط مساراته، وتحوّل النوايا الطيبة إلى نتائج قابلة للقياس والتطوير. إنها الانتقال من العفوية إلى التخطيط، ومن ردّة الفعل إلى الرؤية الاستباقية، ومن الجهود الفردية إلى منظومة عمل متكاملة.
المؤسسية… ضمانة الاستدامة
حين تعتمد المؤسسة نهج المؤسسية، فإنها تبني أنظمتها على أسس واضحة:
سياسات وإجراءات مكتوبة.
حوكمة رشيدة.
وضوح في الصلاحيات والمسؤوليات.
آليات رقابة وتقييم مستمر.
وهذا لا يعزز فقط كفاءة الأداء، بل يحفظ الثقة التي يضعها المتبرعون في المؤسسة، ويؤكد أن أموالهم تُدار وفق أعلى معايير النزاهة والشفافية.
في نماء الخيرية، تعني المؤسسية أن كل مشروع يمر بدورة حياة متكاملة: دراسة احتياج، تخطيط، تنفيذ، متابعة، ثم قياس أثر. فلا يكون العطاء مجرد استجابة آنية، بل تدخلًا مدروسًا يهدف إلى إحداث تغيير مستدام في حياة المستفيدين.
المؤسسية… شراكة لا ازدواجية
القيمة المؤسسية تعزز كذلك التكامل مع الجهات الرسمية والرقابية، فلا يُنظر إلى الأنظمة على أنها قيود، بل باعتبارها إطارًا يحمي الرسالة الإنسانية ويصون سمعتها. فالمؤسسة التي تعمل بمنهج مؤسسي واضح، تستطيع أن تبني شراكات استراتيجية قوية، لأنها تتحرك بلغة الأرقام والنتائج، لا بلغة الشعارات فقط.
المؤسسية… استثمار في الإنسان
كما أن المؤسسية داخل نماء لا تقتصر على الأنظمة، بل تشمل الاستثمار في الكوادر البشرية، من خلال التدريب والتأهيل المستمر، ورفع كفاءة الفرق العاملة، وبناء قيادات قادرة على اتخاذ القرار وفق معايير احترافية.
فالعمل الخيري المؤسسي لا يقوم على أشخاص بعينهم، بل على منظومة تضمن استمرارية الرسالة مهما تغيرت الظروف أو تعاقبت الإدارات.
من العمل الخيري إلى صناعة الأثر
إن الفرق بين مؤسسة خيرية تقليدية ومؤسسة تتبنى المؤسسية كقيمة، هو أن الأولى تركز على تقديم المساعدة، بينما الثانية تركز على صناعة الأثر. الأولى تسأل: “كم أنفقنا؟” أما الثانية فتسأل: “ماذا تغيّر في حياة المستفيد؟”
وهنا تتجلى رؤية نماء الخيرية في صناعة أثر إنساني مستدام، محليًا وعالميًا، عبر منظومة مؤسسية تجعل من كل مبادرة خطوة مدروسة نحو تنمية حقيقية.
المؤسسية ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة أخلاقية قبل أن تكون تنظيمية.
هي صمام الأمان الذي يحفظ الثقة، ويعزز الكفاءة، ويحول العطاء إلى بناء، والمبادرات إلى إنجازات، والمشاريع إلى قصص نجاح مستدامة.
وفي نماء الخيرية، تبقى المؤسسية قيمة حاكمة، تُنظّم العمل، وتضبط المسار، وتؤكد أن الخير حين يُدار باحتراف… يصبح أثره أعمق وأبقى.