وُلد أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم (965-1040م) في مدينة البصرة، مهد العلوم والثقافة خلال عصر الازدهار الفكري للدولة البويهية التي شهدت تدفقاً معرفياً هائلاً من التراث اليوناني والفارسي والهندي. لم يكن نبوغه المبكر مجرد قدرة استثنائية على استيعاب المعارف المتوارثة، بل كان تجلياً لمنهج نقدي تجريبي يعتمد الملاحظة الدقيقة والتحقق العملي بدلاً من الاعتماد الأعمى على السلطات القديمة.
في مكتبات البصرة الغنية، ثم بغداد مركز الترجمة والحوار الفكري، وأخيراً القاهرة عاصمة الفاطميين، انفتح ابن الهيثم على كنوز أرسطو وإقليدس وبطليموس وجالينوس، لكنه سرعان ما رفض الاكتفاء بالنظريات النظرية المجردة، مفضلاً التجربة العملية كأداة لكشف الحقيقة. دعاه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، الذي اشتهر بغرابة أطواره، للقاهرة لتنفيذ مشروع طموح يهدف إلى ضبط فيضان النيل وبناء سد يشبه موقع سد أسوان الحديث.
لكن ابن الهيثم، بعد معاينة ميدانية، أدرك استحالة المشروع بسبب التضاريس والتيارات، فادعى الجنون بحكمة ليتجنب غضب الخليفة ويحصل على إقامة جبرية مريحة، مما مكنه من التفرغ الكامل للبحث العلمي، معتبراً العلم طريقاً موضوعياً لكشف أسرار الكون بعيداً عن السلطة السياسية والخوف من العقاب.ثورة في فهم الرؤية
كتاب المناظر
أحدث ابن الهيثم في «كتاب المناظر» انقلاباً جذرياً في فهم آلية الرؤية، بدحض نظرية «الانبعاث» اليونانية القديمة التي كان يدعمها بطليموس وإقليدس، والتي تقول إن العين تصدر أشعة نحو الأجسام لتلمسها وتراها.
أثبت بالتجارب المنظمة أن الضوء ينبعث من الأجسام المضيئة أو المنعكسة ويدخل العين في خطوط مستقيمة (نظرية الولوج أو الدخول)، مبنياً نظاماً فيزيائياً متكاملاً يفسر الرؤية كعملية مادية حسية تتم معالجتها في الدماغ، لا في العين وحدها.
هذا التحول حل إشكالية الإدراك البصري التي حيرت الفلاسفة القدامى لقرون، وأرسى أساساً لعلم البصريات الفيزيائية الحديثة، مؤكداً أن الحواس ليست مصدراً للمعرفة المطلقة بل تحتاج إلى تصحيح عقلي وتجريبي.الغرفة المظلمة وأساس التصوير الحديث
الغرفة المظلمة
ابتكر ابن الهيثم «الكاميرا أوبسكيورا» (الغرفة المظلمة) كأداة تجريبية رائدة، ببناء غرفة معزولة عن الضوء تماماً مع ثقب صغير في جدار واحد، موضحاً كيف تنتقل الصورة الخارجية مقلوبة إلى الجدار المقابل.
أثبت بهذه التجربة حركة الضوء في خطوط مستقيمة دون انحراف، وحلل تأثير حجم الثقب على وضوح الصورة وحدتها، مما مهد الطريق لاختراع التصوير الفوتوغرافي في القرن التاسع عشر والسينما لاحقاً.
هذا الابتكار لم يكن مجرد أداة، بل دليلاً قاطعاً على أن التجربة المضبوطة هي الحكم النهائي في مواجهة النظريات النظرية، وأنقذ العلم من الافتراضات غير المدعومة.كتاب المناظر: الموسوعة الشاملة لعلم البصريات
ويُعد «كتاب المناظر» في سبعة مجلدات ضخمة إعادة بناء كاملة ومنظمة لعلم الضوء والرؤية، يتجاوز في عمقه ودقته كل ما سبقه.
البرهان الهندسي
تناول المجلد الأول طبيعة الضوء والرؤية المباشرة، والثاني والثالث قوانين الانعكاس والانكسار، والرابع الأخطاء البصرية والأوهام، والخامس المرايا الكروية والمحرقة، والسادس علم النفس البصري والإدراك، والسابع التجارب الرياضية والبراهين الهندسية.
جمع بين الدقة التجريبية والبرهان الهندسي الصارم، ليسيطر على الدراسات الأوروبية لقرون طويلة، ويُترجم إلى اللاتينية تحت اسم «opticae thesaurus»، مؤثراً في روجر بيكون وفيتيلو وكيبلر، وممهداً للثورة العلمية.
الأسس الفيزيائية الدقيقة
أجرى ابن الهيثم مئات التجارب الدقيقة على المرايا المستوية والكروية والعدسات الزجاجية، مقترباً جداً من صياغة قانون سنيل الكامل في الانكسار، ومؤكداً بدقة رياضية أن زاوية السقوط تساوي زاوية الانعكاس تماماً. درس الانحرافات الكروية (aberration) التي تسبب تشوه الصور في المرايا الكبيرة، وحلل حركة الضوء كجسيمات تنتقل بسرعة هائلة، مستشرفاً فيزياء الضوء الحديثة، ومفصلاً بين الأشعة العمودية التي لا تنكسر والمائلة التي تغير اتجاهها حسب كثافة الوسط، مما أرسى قواعد البصريات الهندسية.مسألة ابن الهيثم: اللغز الرياضي الذي ألهم الجبر الهندسي
طرح ابن الهيثم مسألة شهيرة تُعرف باسمه (alhazen>s problem): كيف ينعكس شعاع ضوء من نقطة محددة على مرآة كروية ليصل إلى نقطة أخرى محددة؟ هذه المسألة أدت إلى معادلة جبرية من الدرجة الرابعة معقدة.
حلها باستخدام القطوع المخروطية (الهيبربولا والدائرة)، مساهماً بشكل حاسم في تطوير الجبر الهندسي والتحليلي، وملهماً علماء النهضة مثل ديكارت الذي بنى عليها نظام الإحداثيات، ونيوتن في دراساته للمرايا التلسكوبية.الشكوك على بطليموس: نقد جذري حرر الفلك من التناقضات
النموذج الفلكي القديم
انتقد ابن الهيثم في رسالته «الشكوك على بطليموس» النموذج الفلكي القديم، خاصة الدوائر الوهمية (epicycles) والمعدل (equant) التي أدخلها بطليموس لإنقاذ نظرية الأفلاك المركزية الأرض. مطالبًا بنماذج فيزيائية متسقة مع الملاحظات التجريبية والقوانين الطبيعية، رفض الافتراضات غير المدعومة تجريبياً، واقترح نماذج بديلة أكثر بساطة، مهداً الطريق للثورة الكوبرنيكية وغاليليو، ومطبقاً مبدأ الاقتصاد في الفرضيات (شفرة أوكام) قبل قرون.أسس المنهج العلمي التجريبي
حدد ابن الهيثم مراحل المنهج العلمي بدقة متناهية: الملاحظة الحسية الدقيقة، طرح الفرضية، التحقق التجريبي القابل للتكرار والتحكم في المتغيرات، ثم الاستنتاج الرياضي والتعميم. أكد الشك المنهجي المنظم في السلطات القديمة مثل أرسطو وبطليموس، معتبراً التجربة أداة لتصحيح الأخطاء وكشف الحقيقة، ليصبح أباً حقيقياً للمنهج العلمي الحديث قبل فرانسيس بيكون وغاليليو بقرون، ومؤسساً لفلسفة العلم التجريبي التي تهيمن اليوم.الأوهام البصرية ودور العقل في الإدراك
فسر ابن الهيثم عشرات الأوهام البصرية مثل تضخم القمر عند الأفق، وتضخم الأجسام عند غمرها في الماء، ووهم الألوان بعد التحديق، بمعالجة نفسية وعقلية في الدماغ، لا خللاً في العين أو الضوء نفسه. أكد أن الإدراك يتأثر بالخبرة السابقة والاستنتاج اللاواعي، مهداً لعلم النفس التجريبي الحديث وعلم الإدراك (perception psychology)، ومؤسساً علم نفس البصريات كفرع مستقل.تشريح وظيفي للعين وطبيعة الرؤية
رسم ابن الهيثم خريطة تشريحية وظيفية دقيقة للعين البشرية، موضحاً دور كل جزء: القرنية كعدسة خارجية، العدسة البلورية لتركيز الضوء، الجسم الزجاجي لنقل الصورة، والعصب البصري لإيصال الإشارات إلى الدماغ حيث تتم الرؤية الحقيقية. أكد أن الرؤية عملية معقدة تجمع بين الفيزياء والفسيولوجيا والنفس، ودرس تأثير الإضاءة والمسافة على الإدراك، مؤسساً طب العيون العلمي الحديث وممهداً لدراسات التشريح البصري.تأثير الغلاف الجوي والشفق
فسر ابن الهيثم ظواهر الشفق الصباحي والمسائي بانكسار الضوء الشمسي في الطبقات العليا للغلاف الجوي، مقدراً ارتفاعه بدقة تقريبية تصل إلى عشرات الكيلومترات بناءً على زوايا الرؤية. مميزاً بين الظواهر الجوية (مثل السراب) والسماوية، ومستخدماً تجارب على أنابيب مملوءة بوسائط مختلفة، مما وضع أساس علم الغلاف الجوي البصري والأرصاد الجوية.
القصور الذاتي ومفهوم الحركة
اقترح ابن الهيثم في دراساته للمقذوفات فكرة أن الجسم يستمر في حركته ما لم تعيقه قوة خارجية (مثل الاحتكاك أو الجاذبية)، مستشرفاً قانون نيوتن الأول للقصور الذاتي. درس حركة الأجسام في الفراغ النظري وتأثير المقاومة، وأجرى تجارب على الكرات المتدحرجة، مما جعله رائداً في الديناميكا الكلاسيكية.التأثير الأوروبي والسينوية اللاتينية
أحدثت ترجمات أعماله إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر (تحت اسم alhazen) صدمة علمية في أوروبا العصور الوسطى، مؤثراً مباشرة في روجر بيكون الذي تبنى منهجه التجريبي، وفيتيلو في كتابه عن البصريات، وكيبلر في قوانين حركة الكواكب، وديكارت في فلسفته الإدراكية.
الفلسفة العلمية
رأى ابن الهيثم أن طلب الحقيقة العلمية يتطلب شكاً منهجياً في الذات والتراث والحواس، جاعلاً التجربة كمالاً للعقل لا بديلاً عنه. في رسائله الفلسفية، ربط بين الفيزياء والميتافيزيقا، معتبراً الكون نظاماً منطقياً يمكن فهمه بالعقل والتجربة معاً.
علم النفس البصري
حلل ابن الهيثم تأثير الانفعالات النفسية على الرؤية، مثل كيف يرى الإنسان المألوف أجمل مما هو عليه، وأكد دور الاستنتاج اللاواعي والذاكرة في تشكيل الصورة المدركة، مؤسساً علم النفس التجريبي كفرع منفصل.حلول رياضية للقطوع المخروطية
ساهم ابن الهيثم في تطوير الهندسة التحليلية بربط الجبر بالقطوع المخروطية، وحساب مساحات وأحجام الأشكال المعقدة مثل القبة والكرة، مستخدماً طرقاً تقترب من التكامل المبكر.
نقد التنجيم
رفض ابن الهيثم التنجيم والعلوم الزائفة كتخمينات غير مدعومة تجريبياً، مطالبًا بدليل رصدي وقابل للتحقق، مفصلاً بين العلم الحقيقي والخرافة.
أثبت ابن الهيثم أن درب التبانة (المجرة) جسم سماوي بعيد وليس ظاهرة جوية، بناءً على عدم تغير موقعه مع حركة المراقب، ودرس أبعاد الكون بنماذج رياضية.
اعتبر ابن الهيثم التجربة أمانة معرفية، محذراً من التحيز الشخصي والتقليد الأعمى، ومطالباً بالتحقق المستقل والتكرار من قبل الآخرين.
ألف ابن الهيثم رسائل في حساب الأعداد والمساحات، وحل معادلات جبرية معقدة، وساهم في نظرية الأعداد والجبر.
صحح ابن الهيثم جداول بطليموس الرصدية، واقترح أدوات قياس أدق، ودرس حركة القمر والكواكب بدقة.
الذكاء الاصطناعي
تشبه نماذج ابن الهيثم في معالجة الصور البصرية خوارزميات الرؤية الآلية في الذكاء الاصطناعي، ويُدرس منهجه في فلسفة العلم والمعالجة البصرية الحاسوبية.الختام: شمولية الإنجاز التجريبي
جمع ابن الهيثم بين الرياضيات والفيزياء والنفس والفلك في بناء عضوي متكامل، أثبت فيه قدرة العقل التجريبي على كشف وحدة الحقيقة في تنوع الظواهر.
مساهمات ابن الهيثم في الرياضيات البحتة والجبر الهندسي لم يقتصر إبداع ابن الهيثم على علم البصريات والفيزياء، بل امتد إلى الرياضيات البحتة حيث ألف عدة رسائل متخصصة تُعد من أبرز إسهامات العصر الإسلامي الذهبي في هذا المجال.
في رسالته «في حل المعادلات الجبرية»، طور طرقاً متقدمة لحل المعادلات التكعيبية (من الدرجة الثالثة) باستخدام القطوع المخروطية، متجاوزاً ما توصل إليه الخوارزمي سابقاً. كان يرى أن الجبر ليس مجرد أداة حسابية، بل لغة هندسية لوصف الواقع المادي، خاصة في تفسير حركة الضوء والظلال. على سبيل المثال، استخدم تقاطع الدائرة مع الهيبربولا لحل معادلات معقدة تنشأ من مسائل الانعكاس، مما يُعد إرهاصاً مبكراً للهندسة التحليلية التي بلورها ديكارت لاحقاً.
كما ساهم في حساب المساحات والأحجام للأشكال غير المنتظمة، مثل القباب والأسطح الكروية، بطرق تقترب من مبادئ التكامل الحديث، حيث قسّم الأشكال إلى شرائح دقيقة جداً وقرّب الحسابات بدقة مذهلة.
هذه الطريقة، المعروفة بـ»طريقة الإنهاك» أو التقريب اللانهائي، سبقت عمل إرشميدس في بعض الجوانب وأثرت في حساب التفاضل والتكامل عند نيوتن وليبنيز.
دراسات ابن الهيثم في علم الفلك الرصدي والنماذج الكونية كان ابن الهيثم فلكياً راصداً ماهراً، يجمع بين الملاحظة التجريبية والتحليل الرياضي.
في كتابه «المناظر» وفي رسائله الفلكية مثل «مقالة في هيئة العالم»، صحح جداول بطليموس الرصدية بناءً على ملاحظات دقيقة أجراها في القاهرة، مستخدماً أدوات قياس متقدمة مثل الأسطرلاب المحسّن والربع المجيب.
رفض فكرة الأفلاك الصلبة المركزية الأرض، واقترح نموذجاً يعتمد حركات دائرية منتظمة دون الحاجة إلى الدوائر الوهمية، مقترباً من مبدأ البساطة الكونية.
كما درس حركة القمر بدقة، موضحاً تغيرات سرعته الظاهرية وعلاقتها بالانكسار الجوي، وأثبت أن المريخ والزهرة يدوران حول الشمس في بعض النماذج البديلة، وإن لم يتبنَّ نظاماً شمسياً كاملاً مثل كوبرنيكوس.
هذه الملاحظات ساهمت في تصحيح التقاويم وتحسين التنبؤ بالكسوف والخسوف، وأثرت في علماء مثل ابن الشاطر والطوسي الذين بنوا عليها نماذج أكثر دقة.
التأثير على العلماء المسلمين اللاحقين ومدرسة المراغة لم يكن إرث ابن الهيثم معزولاً، بل ألهم جيلاً من العلماء المسلمين في القرون اللاحقة.
في مدرسة مراغة الفلكية التي أسسها نصير الدين الطوسي، اعتمد العلماء على منهجه التجريبي ونقده لبطليموس لبناء نماذج كونية جديدة، مثل «زوج الطوسي» الذي حل مشكلة الحركة الاهتزازية دون دوائر وهمية.
كما تأثر كمال الدين الفارسي، تلميذ الطوسي، بكتاب المناظر في دراسته لقوس قزح، موضحاً انكسار الضوء داخل قطرة الماء بتجارب دقيقة مستوحاة مباشرة من ابن الهيثم.
التدريس الجامعي
وفي الأندلس، نقل ابن رشد وابن باجة بعض أفكاره الفلسفية العلمية، بينما في المشرق أصبح «المناظر» مرجعاً أساسياً في التدريس الجامعي.
هذا التأثير جعل ابن الهيثم حلقة وصل بين التراث اليوناني والإبداع الإسلامي، محولاً العلم من تأمل نظري إلى بحث تجريبي منهجي.
في العصر الحديث، يُكرم ابن الهيثم كأحد آباء العلم التجريبي، حيث سميت سنة 2015 «السنة الدولية للضوء» من قبل اليونسكو احتفاءً بمرور ألف عام على كتاب المناظر.
نماذجه في معالجة الصور البصرية تشبه خوارزميات الرؤية الآلية في الذكاء الاصطناعي، خاصة في برامج التعرف على الصور والروبوتات البصرية. في الفيزياء، يُدرس قانون الانعكاس والانكسار المقارب لسنيل كأساس للعدسات والتلسكوبات، بينما مسألته الهندسية تُستخدم في تصميم المرايا في التلسكوبات الفضائية مثل هابل.
طب العيون
كما أن منهجه الشك المنهجي يُدرَّس في فلسفة العلم كمقدمة لكارل بوبر وتوماس كون.
في الطب، ساهمت دراساته للعين في تطوير طب العيون الحديث والجراحة الانكسارية مثل الليزك. حتى في علم النفس المعرفي، يُشار إلى تحليلاته للأوهام البصرية كأساس لدراسات الإدراك والوهم البصري في الدماغ.
السجالات الفكرية والنقد للتراث القديم أثار ابن الهيثم سجالات فكرية واسعة بجرأته في نقد أرسطو وبطليموس وإقليدس، معتبراً أن السلطة العلمية لا تكون إلا بالدليل التجريبي.
في عصره، واجه انتقادات من بعض الفلاسفة التقليديين الذين رأوا في شكه تهديداً للتراث، لكنه دافع عن موقفه بأن العلم يتطور بالتصحيح لا بالتقليد. هذا النقد لم يكن تدميرياً، بل بنّاءً، حيث أعاد صياغة النظريات القديمة بضوء التجربة، مما جعله نموذجاً للعالم الناقد.
لاحقاً، دافع عنه علماء مثل ابن رشد في مواجهة الغزالي، الذي نقد الفلاسفة عموماً لكنه لم يستهدف ابن الهيثم مباشرة بسبب طابعه التجريبي لا الميتافيزيقي.
الحياة الشخصية والمؤلفات الأخرى عاش ابن الهيثم حياة زاهدة مكرسة للعلم، وألف أكثر من 200 مؤلف في مجالات متنوعة، منها «مقالة في التحليل والتركيب» التي توضح منهجه المنطقي، و»رسالة في المكان» التي تناقش مفهوم الفراغ، وكتب في الموسيقى والشعر. كان متعدد اللغات، يتقن العربية والفارسية، ويترجم من اليونانية.
رغم إقامته الجبرية، حافظ على إنتاجية هائلة، يعمل ليلاً تحت ضوء المصابيح، مما يعكس إصراره على طلب المعرفة.
توفي في القاهرة عام 1040م، تاركاً مكتبة غنية أحرقت جزئياً في الفتن السياسية، لكن ما بقي منها غيّر مسار العلم.
العقل والحواس
الشمولية الفكرية ووحدة العلوم عند ابن الهيثم يتميز ابن الهيثم بشموليته، حيث ربط بين الفيزياء والرياضيات والنفس والفلك في نظام متكامل، معتبراً الكون وحدة مترابطة يمكن فهمها بالعقل والحواس معاً.
رفض الفصل بين العلوم النظرية والتطبيقية، ورأى أن كل ظاهرة لها تفسير فيزيائي رياضي. هذه الرؤية جعلته رمزاً للعالم الشامل في عصر التخصصات، ومثالاً على كيف يمكن للعقل البشري أن يكشف أسرار الطبيعة بالمنهج الصحيح.