تواصل الحرب الروسية - الأوكرانية دخول مرحلة جديدة من الاستنزاف العسكري، مع تصاعد الهجمات الجوية والصاروخية المتبادلة واتساع استخدام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، في وقت يواصل فيه الطرفان السعي لتحقيق مكاسب ميدانية محدودة قبل أي تحرك سياسي محتمل، بينما تتزايد التحذيرات الدولية من استمرار الصراع للعام الخامس على التوالي.
وشهدت الجبهات الشرقية والجنوبية خلال الأيام الأخيرة أعنف المواجهات، حيث كثفت القوات الروسية عملياتها الهجومية في محاور دونيتسك وزابوريجيا وخاركيف، محاولة توسيع نطاق سيطرتها على مناطق استراتيجية، في حين أعلنت أوكرانيا تنفيذ هجمات مضادة واستهداف مراكز قيادة ومستودعات ذخيرة وخطوط إمداد روسية باستخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى، في إطار استراتيجية تهدف إلى إبطاء التقدم الروسي واستنزاف قدراته العسكرية.
وفي موازاة المعارك البرية، استمرت الضربات الجوية المكثفة، إذ تبادلت موسكو وكييف الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منشآت عسكرية وبنى تحتية للطاقة والنقل، ما أدى إلى انقطاعات جديدة في خدمات الكهرباء والمياه في عدد من المدن الأوكرانية، بينما أعلنت السلطات الروسية إسقاط عشرات المسيّرات التي استهدفت مناطق داخل الأراضي الروسية، بما فيها العاصمة موسكو وعدد من الأقاليم الحدودية.
سياسياً، لا تزال فرص التوصل إلى وقف لإطلاق النار محدودة، رغم استمرار الاتصالات الدولية الرامية لإحياء مسار التفاوض. وتؤكد موسكو تمسكها بشروطها المتعلقة بالوضع الميداني والأمني، فيما تشدد كييف على أن أي تسوية يجب أن تضمن استعادة سيادتها ووحدة أراضيها، وهو ما يبقي فجوة الخلافات واسعة ويؤجل أي اختراق دبلوماسي في المدى القريب.
وفي الجانب العسكري، تواصل الدول الغربية دعم أوكرانيا بحزم جديدة من المساعدات الدفاعية والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، بينما تعزز روسيا إنتاجها العسكري وتكثف عمليات التعبئة والإمداد، في مؤشر على استعداد الطرفين لاستمرار المواجهة لفترة أطول، وسط سباق متواصل لتطوير القدرات في مجال الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية.
اقتصادياً، لا تزال الحرب تلقي بظلالها على الأسواق العالمية، مع استمرار الضغوط على أسواق الطاقة والحبوب وسلاسل الإمداد، في وقت تواصل فيه العقوبات الغربية استهداف قطاعات روسية حيوية، بينما تعمل موسكو على توسيع شراكاتها التجارية مع عدد من الأسواق الآسيوية والناشئة لتخفيف آثار تلك العقوبات.
ويرى مراقبون أن مسار الحرب بات يعتمد بصورة متزايدة على القدرة العسكرية والاقتصادية للطرفين أكثر من اعتماده على تحقيق اختراقات ميدانية كبيرة، في ظل استمرار حرب الاستنزاف وتبادل الضربات بعيدة المدى، الأمر الذي يجعل احتمالات التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في المدى المنظور محدودة، مع بقاء الصراع أحد أبرز مصادر التوتر في النظام الدولي.