دخلت الحرب الروسية الأوكرانية منعطفاً جديداً خلال الأيام الأخيرة مع تصاعد العمليات العسكرية المتبادلة وتواصل المساعي الدبلوماسية الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية، في وقت تبدو فيه فرص التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار محدودة بسبب استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين بشأن الأراضي المحتلة والترتيبات الأمنية ومستقبل العلاقات بين كييف وحلف شمال الأطلسي.
وشهدت الجبهة العسكرية تطورات لافتة بعدما نفذت أوكرانيا سلسلة هجمات بعيدة المدى استهدفت منشآت استراتيجية داخل العمق الروسي، من بينها مرافق نفطية وقواعد بحرية وعسكرية، في إطار استراتيجية أوكرانية متصاعدة تهدف إلى استنزاف القدرات اللوجستية والاقتصادية الروسية ونقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي.
وقالت السلطات الأوكرانية إن الهجمات استهدفت منشآت تستخدم لدعم العمليات العسكرية الروسية، فيما أكدت موسكو تعرض عدد من المواقع لهجمات بطائرات مسيرة، متوعدة بتكثيف عملياتها العسكرية رداً على تلك الضربات.
وفي المقابل، تواصل القوات الروسية عملياتها العسكرية على طول خطوط المواجهة الممتدة شرق وجنوب أوكرانيا، مع استمرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة على البنية التحتية ومواقع الطاقة الأوكرانية، في محاولة للحفاظ على الضغط العسكري وتحسين مواقعها التفاوضية.
سياسياً، استضافت مدينة إسطنبول جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين الوفدين الروسي والأوكراني، وسط رعاية تركية ومتابعة دولية واسعة، إلا أن المحادثات لم تحقق اختراقاً جوهرياً في القضايا الأساسية المرتبطة بإنهاء الحرب.
وأسفرت الجولة الأخيرة عن اتفاقات إنسانية شملت تنفيذ عمليات تبادل جديدة للأسرى بين الجانبين، إلى جانب تسليم جثامين القتلى وتوسيع الإجراءات الخاصة بالجرحى والأسرى الشباب، في خطوة اعتبرت من أبرز النتائج العملية للمحادثات.
كما تبادل الطرفان مذكرات تتضمن رؤيتهما لشروط التسوية المحتملة وآليات وقف إطلاق النار، غير أن الهوة السياسية لا تزال واسعة بشأن القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها وضع الأقاليم التي تسيطر عليها روسيا والضمانات الأمنية التي تطالب بها أوكرانيا.
وتتمسك موسكو بشروط تتعلق بالوضع الميداني الحالي والاعتراف بالواقع القائم في بعض المناطق التي تسيطر عليها القوات الروسية، بينما ترفض كييف أي تسوية تتضمن تنازلات إقليمية أو تمس سيادتها ووحدة أراضيها.
وفي الوقت ذاته، لا تزال أوكرانيا تطالب بضمانات أمنية غربية طويلة الأمد، فيما تعتبر روسيا أن توسع حلف شمال الأطلسي باتجاه حدودها يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهو ما يجعل هذا الملف أحد أبرز العقبات أمام التوصل إلى اتفاق نهائي.
على الصعيد الدولي، يواصل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة دعم أوكرانيا سياسياً وعسكرياً، مع تزايد الحديث داخل الأوساط الأوروبية عن دور أكبر في أي مفاوضات سلام مستقبلية، شرط التوصل أولاً إلى وقف إطلاق نار غير مشروط يهيئ الأرضية للحل السياسي.
كما تواصل دول غربية تعزيز القدرات الدفاعية الأوكرانية، في وقت تعمل فيه كييف على تطوير منظوماتها الدفاعية المحلية لمواجهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الروسية.