تدخل الحرب الروسية-الأوكرانية، في عامها الرابع، مرحلةً حرجةً من المساعي الدبلوماسية، تتزامن مع استمرار المعارك على الجبهات.
ففي الوقت الذي تتكثف فيه الجهود الدولية لإيجاد مخرجٍ تفاوضي، تبدو الآفاق السياسية ضبابيةً، وسط تبايناتٍ حادةٍ في المواقف بين الأطراف المعنية، وتساؤلاتٍ متزايدة حول دور الوسيط الأمريكي.
لم تُوقف المساعي الدبلوماسية دائرة العنف. ففي أبريل الماضي، شنّت روسيا هجوماً صاروخياً وبالطائرات المسيّرة استهدف العاصمة كييف ومناطق أخرى، أسفر عن مقتل 13 مدنياً على الأقل.
وقد أدان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الهجوم، ووصفه بأنّه “غير ضروري وفي توقيت سيّئ للغاية”، مطالباً موسكو بالتوقف.
وفي المقابل، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنّ قواته “على وشك الانتهاء من تدمير القوات الأوكرانية”، في تصريحاتٍ تُوحي بأنّ الطرفين لا يزالان يراهنان على الحسم العسكري.
عُقدت قمةٌ بين الرئيسين الأمريكي والروسي في ألاسكا في أغسطس 2025، كانت الأمل معقوداً عليها لتحقيق اختراقٍ دبلوماسي.
وعلى الرغم من أنّ ترامب هدّد بـ”عواقب وخيمة” في حال رفض بوتين هدنة، إلّا أنّ القمة انتهت دون الإعلان عن أيّ اتفاق. وقد أثارت تصريحاتٌ لاحقةٌ لترامب، أشار فيها إلى دعمه لتسليم منطقة دونباس بأكملها لروسيا، تساؤلاتٍ حول حياد الوساطة الأمريكية.
في أبريل 2025، قدّمت الولايات المتحدة “عرض السلام النهائي”، الذي تضمّن بنوداً مثيرة للجدل، منها الاعتراف بضمّ القرم، والاعتراف de facto بالأراضي المحتلة في دونيتسك ولوهانسك وزابوريجيا وخيرسون، ومنع انضمام أوكرانيا للناتو، ورفع العقوبات عن روسيا.
رفضت كييف وموسكو العرض، فيما وصفته وزارة الدفاع الأوكرانية الهجمات الروسية اللاحقة بأنّها “تأكيدٌ على أنّ روسيا لا تسعى للسلام».
تبدو الثقة الأوكرانية بالوساطة الأمريكية في تراجعٍ ملحوظ. ففي مقابلةٍ مع إذاعة إيطالية، قال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إنّ روسيا “خدعت الأمريكيين مجدداً”، في إشارةٍ إلى تخفيف الإدارة الأمريكية للعقوبات على النفط الروسي.
في مايو 2025، عُقدت أول جولة مفاوضات مباشرة بين الوفدين الروسي والأوكراني في إسطنبول منذ عام 2022. وعلى الرغم من أنّ القمة كانت مقرّرة بين بوتين وزيلينسكي بحضور ترامب، إلّا أنّ بوتين تغيّب عنها. انتهت المفاوضات دون اختراقٍ سياسي، حيث قدّمت روسيا قائمةً طويلةً من المطالب، تشمل تسليم أوكرانيا للمقاطعات التي تدّعي ضمّها، وتقليص الجيش الأوكراني، وحظر انضمام كييف لأيّ تحالفٍ عسكري، ورفع العقوبات الدولية.
في فبراير 2026، عُقدت جولة جديدة من المحادثات الثلاثية في جنيف. ووفقاً لصحيفة “أكسيوس”، كان التقدّم “محدوداً”، إذ ظلّت المفاوضات السياسية “عالقة”، فيما كانت المناقشات العسكرية حول آليات مراقبة الهدنة “أكثر بناءً”.
وقد أعلن زيلينسكي أنّ أيّ اتفاقٍ يتطلّب انسحاب القوات الأوكرانية من بقية دونباس سيتطلب استفتاءً وطنياً، وأنّ ذلك “لن يحدث».
تصرّ روسيا على رفض أيّ هدنةٍ غير مشروطة. وفي أكتوبر 2025، أُلغيت قمةٌ مقرّرة بين ترامب وبوتين في بودابست بعد أيامٍ من الإعلان عنها، فيما برّر ترامب الإلغاء بأنّ بوتين رفض الهدنة واستمرّ في دفع مطالبه القصوى.
وفي تصريحاتٍ لنائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف، قال إنّ “محادثات إسطنبول ليست للتوصّل إلى حلّ وسط، بل لضمان انتصارنا السريع». تُظهر الدول الأوروبية قلقاً متزايداً من مسار الوساطة الأمريكية. ففي ديسمبر 2025، قدّم 13 قائداً أوروبياً، إلى جانب كندا واليابان، خطةً مضادةً رفضوا فيها الاعتراف بالتغييرات القسرية للحدود، وأكدوا أنّ “طريق السلام في أوكرانيا لا يمكن أن يُقرّر دون أوكرانيا”.
وتضمّنت الخطة بدء المفاوضات حول الأراضي بعد وقف إطلاق النار، والسماح لأوكرانيا بالانضمام للناتو، وتجميد الأصول الروسية حتى دفع التعويضات.
تبدو آفاق السلام في أوكرانيا أكثر ضبابيةً من أيّ وقتٍ مضى. ففي الوقت الذي تُواصل فيه موسكو تقديم شروطٍ قصوى، وتبدو الوساطة الأمريكية عاجزةً عن التوصّل إلى حلّ مقبول لجميع الأطراف، تسعى أوكرانيا إلى إعادة هيكلة تحالفاتها الدولية، فيما تتّجه أوروبا نحو وضع استراتيجيةٍ أمنيةٍ مستقلةٍ أكثر فأكثر.
ومع استمرار المعارك وارتفاع عدد الضحايا، يبدو أنّ الحرب الروسية-الأوكرانية ستظلّ واحدةً من أكثر الأزمات الدولية تعقيداً، في انتظارٍ لمنعطفٍ تاريخيٍ قد لا يأتي قريباً.