تواصل الحرب بين روسيا وأوكرانيا دخولها عاماً جديداً في ظل حالة من الجمود العسكري النسبي، يقابلها تصعيد في الضربات بعيدة المدى، وتعثر واضح في المسار السياسي، ما يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة «الاستنزاف طويل الأمد».
ورغم التقدم المحدود الذي تحققه القوات الروسية في بعض محاور الشرق، خصوصاً في إقليم دونباس، فإن خطوط التماس لا تزال تشهد قتالاً كثيفاً دون تغييرات جوهرية في موازين السيطرة، في وقت تواصل فيه القوات الأوكرانية تنفيذ هجمات مضادة تستهدف خطوط الإمداد ومواقع خلفية.
شهدت الأسابيع الأخيرة تكثيفاً للهجمات الجوية والصاروخية من الجانبين، حيث ركزت روسيا على استهداف البنية التحتية للطاقة والمنشآت العسكرية، بينما صعّدت أوكرانيا من هجماتها باستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، في محاولة لإرباك العمق الروسي.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن وتيرة العمليات الحالية تعكس محاولة كل طرف استنزاف قدرات الآخر، مع تجنب الانخراط في مواجهات واسعة النطاق قد تؤدي إلى خسائر كبيرة دون مكاسب حاسمة.
لا يزال الدعم الغربي يشكل عاملاً محورياً في استمرار قدرة أوكرانيا على الصمود، حيث تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها في حلف شمال الأطلسي تقديم مساعدات عسكرية ومالية، تشمل أنظمة دفاع جوي وذخائر متقدمة.
في المقابل، تعتمد روسيا على تعزيز إنتاجها العسكري وتوسيع شراكاتها الاقتصادية مع دول خارج المنظومة الغربية، في محاولة للتكيف مع العقوبات المفروضة عليها منذ بداية الحرب.
ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على الاقتصادين الروسي والأوكراني، حيث تواجه كييف تحديات كبيرة في تمويل العمليات العسكرية وإعادة الإعمار، بينما تتعامل موسكو مع ضغوط العقوبات الغربية، رغم نجاحها النسبي في الحفاظ على استقرار بعض القطاعات الحيوية، وعلى رأسها الطاقة.
كما تسببت الحرب في اضطرابات مستمرة في أسواق الغذاء والطاقة عالمياً، خاصة مع تأثر صادرات الحبوب الأوكرانية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين في البحر الأسود.
على الصعيد السياسي، لا تزال الجهود الدبلوماسية تراوح مكانها، في ظل تباعد مواقف الطرفين بشأن شروط وقف إطلاق النار.
ويؤكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تمسك بلاده باستعادة كامل أراضيها، فيما تشدد موسكو على ضرورة الاعتراف بالوقائع الميدانية الجديدة، ما يعقد فرص التوصل إلى تسوية قريبة.
ورغم بعض المبادرات الدولية، فإن غياب توافق دولي شامل، واستمرار الدعم العسكري للطرفين، يجعلان من الحل السياسي أمراً بعيد المنال في المرحلة الحالية.
في ضوء هذه المعطيات، يرى مراقبون أن الحرب تتجه نحو مزيد من الاستنزاف، مع احتمال استمرارها لفترة أطول دون حسم عسكري واضح، في ظل توازن نسبي في القدرات، وتداخل العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية.
وتبقى السيناريوهات مفتوحة بين تصعيد محدود في بعض الجبهات، أو تثبيت خطوط التماس الحالية، أو التوصل إلى تفاهمات مرحلية، إلا أن المؤكد أن الحرب باتت جزءاً من معادلة دولية أوسع، تتجاوز حدود الصراع المباشر بين موسكو وكييف.