حين ينظر الإنسان إلى الجبال، قد يراها مجرد كتل صخرية شاهقة تزين سطح الأرض، أو أماكن للسياحة والتسلق. لكن القرآن الكريم قدّم صورة مختلفة تمامًا لهذه الظاهرة الطبيعية. فقد وصف الجبال بأنها أوتاد، وأن لها دورًا في استقرار الأرض. هذه الإشارات أثارت اهتمام العلماء والباحثين، ودفعت إلى التساؤل: هل تحمل هذه الأوصاف بعدًا علميًا سبق الاكتشافات الحديثة؟
هذه الحلقة تحاول أن تقدم قراءة متوازنة، تربط بين النص القرآني والمعرفة العلمية، دون مبالغة أو تحميل النص ما لا يحتمل.
الجبال في نظرة الإنسان القديم
في العصور القديمة، لم يكن لدى الإنسان أدوات لفهم بنية الأرض. كان يرى الجبال مجرد ظواهر ثابتة، أو يفسرها بأساطير وخرافات. بعض الحضارات اعتقدت أن الجبال هي أماكن الآلهة، أو بوابات العالم الآخر.
أما القرآن، فقد نقل الإنسان من عالم الأسطورة إلى عالم التفكير، ودعاه إلى التأمل في خلق الجبال، ودورها في توازن الأرض.
لماذا وصف القرآن الجبال بالأوتاد؟
تشبيه الجبال بالأوتاد من الصور البلاغية العميقة. فالوتد في اللغة هو ما يُثبت به الشيء ويمنع اضطرابه. هذا التشبيه لم يكن مجرد وصف جمالي، بل يحمل دلالة وظيفية.
العلم الحديث كشف أن كثيرًا من الجبال تمتد جذورها عميقًا داخل الأرض، وأن الجزء الظاهر منها يمثل جزءًا صغيرًا مقارنة بما هو في باطن الأرض. هذه البنية تشبه إلى حد بعيد فكرة الوتد.
وقد أشار بعض الجيولوجيين إلى أن الجبال تسهم في استقرار القشرة الأرضية، وتوازنها.
الجبال وتوازن الأرض
الأرض ليست كتلة صلبة واحدة، بل تتكون من صفائح تكتونية تتحرك ببطء. هذه الحركة قد تسبب الزلازل والبراكين. وجود الجبال يرتبط غالبًا بمناطق التقاء هذه الصفائح.
هذا التوازن الديناميكي يجعل الأرض صالحة للحياة. ولو كانت الحركة أعنف، أو بلا تنظيم، لكانت الحياة أكثر صعوبة.
القرآن أشار إلى أن الجبال تثبت الأرض، وهو وصف يتوافق في معناه العام مع هذا الدور.
الجبال والمناخ
من أوجه الإعجاز أيضًا أن الجبال تؤثر في المناخ، فهي تحجز السحب، وتؤدي إلى سقوط الأمطار، وتكوّن الأنهار. لذلك، نشأت حولها كثير من الحضارات.
كما أنها تسهم في تنوع البيئة، وظهور أنظمة بيئية مختلفة.
هذه الحقائق تجعل الإنسان يدرك أن الجبال ليست مجرد منظر طبيعي، بل عنصر أساسي في الحياة.
الجبال كمخازن للمياه
كثير من مصادر المياه العذبة تأتي من الجبال، حيث تتجمع الثلوج وتذوب تدريجيًا. هذا النظام الطبيعي يوفر الماء على مدار العام.
القرآن يشير إلى دورة الماء بطريقة تدعو إلى التفكير، ويربط بين الجبال والأنهار.
بين البلاغة والعلم
من المهم أن نلاحظ أن القرآن لا يستخدم لغة علمية تقنية، بل لغة إنسانية شاملة. فهو يخاطب الإنسان في كل زمان.
هذا الأسلوب يجعل النص صالحًا لكل عصر، دون أن يرتبط بنظرية محددة.
أثر هذه الرؤية في الإيمان
حين يدرك الإنسان أن الجبال لها وظائف عميقة، تتجاوز ما تراه العين، يتولد لديه شعور بالرهبة والإعجاب. هذا الشعور يقوده إلى الإيمان بأن الكون قائم على الحكمة.
القرآن لا يريد فقط أن يقدّم معلومات، بل أن يبني علاقة بين الإنسان والطبيعة.
الإنسان المعاصر والطبيعة
في عصرنا، قد ينظر الإنسان إلى الطبيعة كموارد فقط، لا كآيات. هذا يؤدي إلى استنزاف البيئة، وتدمير التوازن.
القرآن يعيد الإنسان إلى احترام الطبيعة، والنظر إليها باعتبارها أمانة.
الجبال في التجربة الروحية
كثير من الأنبياء كانت لهم علاقة خاصة بالجبال. ففيها الخلوة، والتأمل، والابتعاد عن ضوضاء الحياة.
وقد نزل الوحي لأول مرة على محمد &o5018; في غار حراء، وهو في جبل بعيد عن صخب مكة. هذه اللحظة التاريخية تربط بين الجبال والوحي.
كما ارتبطت الجبال بقصص أنبياء آخرين، مثل موسى، حين تلقى الوحي في جبل الطور.
رمضان.. دعوة للتأمل في الطبيعة
في هذا الشهر الكريم، يمكن للإنسان أن يقترب من الطبيعة، أن يتأمل في الجبال والبحار والسماء. هذه التجربة تعيد التوازن للنفس.
الصيام ليس فقط امتناعًا عن الطعام، بل رحلة داخلية.
نحو رؤية متوازنة للإعجاز
الإعجاز في الجبال لا يعني تحويل القرآن إلى كتاب جيولوجيا، بل أن نرى فيه دعوة للتفكر، وإشارات عامة تفتح أبواب البحث.
هذا المنهج يجعل الإيمان أكثر عمقًا، ويجنبنا الوقوع في المبالغة.
رسالة الحلقة
الجبال ليست مجرد أحجار، بل رسائل عن الثبات، والتوازن، والصبر.
في عالم سريع التغير، قد نحتاج إلى أن نتعلم من الجبال: الثبات على القيم، والهدوء في مواجهة العواصف.