دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد، عقب انهيار اتفاق التهدئة المؤقت الذي أُعلن في يونيو الماضي، لتعود العمليات العسكرية المتبادلة إلى الواجهة، وسط مخاوف متزايدة من اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على أمن الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة العالمية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يشهد فيه الخليج توتراً غير مسبوق، مع اتساع نطاق الضربات العسكرية في محيط مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم، الأمر الذي أعاد المخاوف بشأن استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد الدولي.
وانعكست التطورات الميدانية بصورة مباشرة على قطاع الطاقة، إذ أشارت تقارير دولية إلى تراجع حركة شحنات الوقود المكرر العابرة لمضيق هرمز إلى نحو مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو خمسة ملايين برميل يومياً قبل اندلاع الأزمة، كما انخفضت كميات الغاز الطبيعي المسال المارة عبر المضيق بنحو 35 مليار متر مكعب خلال الأشهر الأخيرة، في ظل استمرار المخاطر الأمنية التي تواجه حركة الملاحة.
وفي الأسواق العالمية، عززت التوترات الجيوسياسية علاوة المخاطر على أسعار النفط، لتتجاوز حاجز 80 دولاراً للبرميل مع اقترابها من مستوى 85 دولاراً، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 31.2% على أساس سنوي نتيجة اضطراب الإمدادات وتزايد المخاوف من نقص المعروض.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى الأسواق المالية العالمية، حيث تعرضت البورصات لضغوط بيعية، في وقت ارتفع فيه الدولار الأمريكي وعوائد سندات الخزانة الأمريكية مع توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، بينما خفض عدد من المحللين توقعات نمو اقتصاد منطقة اليورو خلال عام 2026 إلى 0.5% مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 0.7%.
ويرى مراقبون أن استمرار التصعيد في منطقة الخليج قد يفرض تحديات إضافية على اقتصادات المنطقة، لاسيما الدول المنتجة والمصدرة للطاقة، مع بقاء المخاطر الجيوسياسية عاملاً رئيسياً في تحديد اتجاهات أسعار النفط وحركة التجارة العالمية.
وفي المقابل، تتجه الأنظار إلى التحركات الدبلوماسية الإقليمية والدولية الهادفة إلى احتواء الأزمة ومنع اتساعها، وسط تحذيرات من أن استمرار المواجهة العسكرية قد يفاقم اضطرابات أسواق الطاقة ويزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.
كما ألقت التطورات العسكرية بظلالها على قطاع النقل البحري، إذ اتجه عدد من شركات الشحن والتأمين إلى إعادة تقييم مسارات السفن العابرة لمنطقة الخليج ورفع أقساط التأمين على الناقلات، في ظل تزايد المخاطر الأمنية، الأمر الذي ينذر بارتفاع تكاليف الشحن ونقل البضائع والمواد الأولية، وهو ما قد ينعكس تدريجياً على أسعار السلع في الأسواق العالمية إذا استمرت الأزمة لفترة أطول.
ويرى محللون أن مسار الأزمة خلال الأيام المقبلة سيبقى العامل الأكثر تأثيراً في اتجاهات الاقتصاد العالمي، إذ سيحدد حجم العمليات العسكرية ومدى نجاح الجهود الدبلوماسية مستقبل أسعار النفط والغاز، ومستويات التضخم، وسياسات البنوك المركزية، فضلاً عن أداء أسواق المال العالمية، ما يجعل منطقة الخليج في قلب المشهد الاقتصادي الدولي خلال المرحلة المقبلة.