تدخل فرنسا خريفاً سياسياً واجتماعياً مضطرباً مع اتساع رقعة الاحتجاجات التي بدأت من المدارس الثانوية قبل أن تمتد إلى قطاعات أخرى، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً مالية وسياسية متزايدة، فيما تقترب البلاد من الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
وبدأت الموجة الحالية من احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في منطقة باريس في سبتمبر، على خلفية شكاوى تتعلق بنقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وتدهور بعض المباني المدرسية، وطول ساعات الدراسة، قبل أن تنتقل سريعاً إلى مدن فرنسية عدة. ومع دخول الاحتجاجات أسبوعها الثالث، أصبحت القضية اختباراً جديداً لقدرة حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو على احتواء الغضب الاجتماعي.
بلغت الاحتجاجات ذروتها في السادس من أكتوبر، عندما خرجت مظاهرات واسعة في أنحاء فرنسا. وقدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 266 ألف شخص، بينما رفع منظمو الاحتجاجات العدد إلى نحو 450 ألفاً، في اختلاف يعكس اتساع التعبئة الشعبية. وشهدت بعض المسيرات مواجهات وأعمال عنف، خصوصاً في باريس، فيما أعلنت السلطات توقيف مئات الأشخاص.
ولم تعد الحركة مقتصرة على الطلاب؛ إذ انضم إليها مدرسون وأولياء أمور ونقابات وقطاعات من العاملين في الدولة، لتتحول المطالب المتعلقة بالتعليم إلى مساحة أوسع للتعبير عن الاستياء من أوضاع الخدمات العامة والإنفاق الحكومي والسياسات الاقتصادية.
وكانت فرنسا قد شهدت في نهاية سبتمبر إضراباً واسعاً لموظفي القطاع العام احتجاجاً على تجميد الأجور المقترح ومخاوف من إجراءات تقشفية في موازنة 2027. وقدرت النقابات عدد المشاركين في تحركات 29 سبتمبر بأكثر من 300 ألف شخص، مقابل 206 آلاف وفق وزارة الداخلية.
وتأتي الاحتجاجات في وقت تواجه فيه الحكومة مهمة صعبة تتمثل في خفض العجز العام من دون زيادة الاحتقان الاجتماعي. وتشير التقارير إلى أن مشروع موازنة 2027 يستهدف توفير نحو 54 مليار يورو، وسط اعتراضات نقابية على إجراءات تشمل تجميد أجور العاملين في القطاع العام.
وتزداد صعوبة المهمة بسبب ارتفاع كلفة الاقتراض الفرنسي؛ إذ وصلت عوائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ عام 2002، بينما اتسع الفارق مع عوائد السندات الألمانية إلى أعلى مستوياته منذ أزمة ديون منطقة اليورو.
وبذلك تجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة: الحاجة إلى ضبط الإنفاق من جهة، ومطالب الشارع بزيادة الإنفاق على التعليم والخدمات العامة وتحسين الأجور من جهة أخرى.
ويرى الطلاب أن مشاكل المدارس لا تقتصر على نقص المدرسين، وإنما تشمل ظروفاً مادية تؤثر في العملية التعليمية، بينها اكتظاظ الفصول وتراجع جودة المنشآت ونقص التجهيزات.
وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى تراجع أداء الطلاب الفرنسيين في القراءة والرياضيات خلال العقد الماضي، الأمر الذي يستخدمه المحتجون للدلالة على حجم الأزمة التي يواجهها نظام التعليم العام.
وأعلنت الحكومة أنها ستدرس مطالب الطلاب وتقدم مقترحات تفصيلية بحلول نهاية أكتوبر، بينما قال لوكورنو إن السلطات مستعدة للحوار بشأن المشكلات المطروحة. غير أن الحكومة تواجه قيوداً مالية وسياسية تحد من قدرتها على تقديم استجابة واسعة وسريعة.
ولم يقتصر الجدل على المطالب التعليمية؛ إذ أصبحت طريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين محوراً رئيسياً في الأزمة.
وتصاعدت الانتقادات بعد إصابة فتى يبلغ 15 عاماً بجروح خطيرة في مدينة لنس، أدت إلى فقدانه يده، في حادث قالت السلطات إنه يخضع للتحقيق. وعلى خلفية الحادث، أعلن وزير الداخلية لوران نونيز تعليق استخدام القنابل الصوتية في التعامل مع احتجاجات طلاب المدارس الثانوية إلى حين اتضاح ملابسات الواقعة. كما أحيلت 18 واقعة تتعلق بتدخلات الشرطة إلى جهات التحقيق.