تصعيد ميداني يضع «بزشكيان» أمام الاختبار الأصعب
معادلة «الضغط الأقصى» تلتقي بـ «انفجار الداخل»

 
تجد الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها أمام واحدة من أكثر اللحظات التاريخية حرجاً منذ عقود؛ حيث تتقاطع الأزمات الداخلية المتفجرة مع ضغوط خارجية غير مسبوقة، لترسم مشهداً ضبابياً يضع النظام والشعب على حد سواء أمام خيارات مصيرية. ومع مطلع عام 2026، لم يعد الحديث في الصالونات السياسية في طهران يقتصر على الملف النووي فحسب، بل بات يتمحور حول «البقاء الاقتصادي» و»الاستقرار المجتمعي».
ودخل الاقتصاد الإيراني مرحلة “السقوط الحر” خلال الساعات الـ48 الماضية، بعد أن سجل الريال تراجعاً تاريخياً أمام الدولار الأمريكي، متجاوزاً حاجز المليون وأربعمائة ألف ريال للدولار الواحد في السوق الموازية. هذا التدهور لم يمر بسلام على قطاع التجارة؛ حيث شهد “البازار الكبير” في طهران ومدن أصفهان وشيراز إغلاقات جزئية وإضرابات صامتة، بعد أن عجز التجار عن تسعير بضائعهم في ظل تقلبات الساعة الواحدة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن “التضخم الجامح” الذي تجاوز عتبة الـ60% في السلع الأساسية، قد نقل الأزمة من الخلاف السياسي بين النخبة إلى “ثورة بطون” بدأت تلوح بوادرها في الضواحي والمدن الصناعية، مما يزيد من أعباء الحكومة التي تكافح لتأمين السيولة اللازمة لدعم السلع.
ميدانياً، لم تهدأ وتيرة الاحتجاجات التي اندلعت في أعقاب قرارات اقتصادية واجتماعية مثيرة للجدل. وتتميز هذه الموجة بمشاركة واسعة من “الجيل زد” الإيراني، الذي يبدو أكثر جرأة في مواجهة القوات الأمنية. وبحسب مصادر حقوقية، فإن رقعة المواجهات اتسعت لتشمل أكثر من 30 مدينة، فيما تواصل السلطات فرض قيود مشددة على شبكة الإنترنت، رغم التقارير التي تتحدث عن اختراقات تقنية عبر الأقمار الصناعية أبقت المتظاهرين على اتصال بالعالم.
في المقابل، تتبنى السلطات الرسمية خطاباً يحذر من “مؤامرات خارجية” تهدف لتقسيم البلاد. وأكد مسؤولون في الحرس الثوري أن القوات المسلحة لن تتهاون مع ما وصفته بـ “أعمال الشغب المسلح”، تزامناً مع تسيير مسيرات مؤيدة للنظام في العاصمة تهدف لإظهار التماسك الشعبي خلف القيادة.
خارجياً، ألقى التصعيد الكلامي بين واشنطن وطهران بظلاله على المشهد. ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض واتباعه سياسة “الضغوط القصوى 2.0”، دخلت المنطقة في حالة ترقب شديد. التهديدات الأمريكية الأخيرة بدعم “التغيير من الداخل” لم تبقَ حبيسة التصريحات، بل تُرجمت إلى تحركات عسكرية في شرق المتوسط والخليج، وصفتها طهران بأنها “استفزازات خطيرة».
وعلى الصعيد الدبلوماسي، بدأت القوى الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) تميل نحو تفعيل “آلية الزناد” لإعادة كافة العقوبات الأممية، رداً على خروقات طهران في الملف النووي، مما يعني عزلة دولية كاملة قد تقضي على ما تبقى من نافذة للتفاوض.
تتأرجح إيران بين ثلاثة سيناريوهات؛ أحلاها مرّ: إما الذهاب نحو “انفجار اجتماعي” يصعب السيطرة عليه، أو اللجوء إلى “تسوية كبرى” ومفاجئة مع المجتمع الدولي لرفع العقوبات، أو الاستمرار في نهج “الاقتصاد المقاوم” مع تشديد القبضة الأمنية، وهو الخيار الذي يراه المحللون “مكلفاً واستنزافياً” على المدى الطويل.