بمناسبة مرور 50 عاما على إقامة العلاقات الفيتنامية الكويتية تحدث سفير فيتنام لدى الكويت نغيون دوك ثانغ ، حيث ألقى الضوء على مسيرة تلك العلاقات التي فصلًا جديدًا، حيث ارتقى البلدان بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الوزراء فام مينه تشينه إلى الكويت في نوفمبر 2025.
< كيف تصفون تطور العلاقات الثنائية على مدى العقود الخمسة الماضية؟
- قال نغيون دوك ثانغ، يحمل عام 2026 أهمية خاصة لفيتنام والكويت، إذ نحتفل بالذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية. على مدى نصف القرن الماضي، حققت العلاقات بين فيتنام والكويت العديد من الإنجازات البارزة، متطورةً من بدايات متواضعة إلى شراكة استراتيجية.
بعد فترة وجيزة من إعادة توحيد فيتنام، أقامت فيتنام والكويت علاقات دبلوماسية في 10 يناير 1976. وبصفتها أول دولة في منطقة الخليج تقيم علاقات دبلوماسية مع فيتنام، قدمت الكويت إسهامًا كبيرًا في تعزيز العلاقات بين فيتنام ودول الخليج على وجه الخصوص، ودول الشرق الأوسط عمومًا.
وتُعرب فيتنام عن تقديرها العميق لمظاهرات الشعب الكويتي ضد حرب فيتنام، وتضامنه مع الشعب الفيتنامي في سبيل حماية الاستقلال والسيادة الوطنيين. وفي الواقع، دعمت فيتنام جهود الكويت بشكل كامل لتحقيق التحرير خلال حرب 1991 مع العراق.
في يونيو 1993، تم إنشاء مكتب التمثيل التجاري الفيتنامي في الكويت، ليكون بذلك أول مكتب تجاري لفيتنام في منطقة الخليج. وبعد عشر سنوات، تعزز التعاون بين البلدين بشكل أكبر عندما افتتحت فيتنام سفارتها رسميًا في الكويت في أكتوبر 2003. ومن الجانب الكويتي، قام رئيس الوزراء سمو الشيخ ناصر المحمد الصباح بزيارة رسمية إلى فيتنام في مايو 2007، تلاها افتتاح سفارة الكويت في هانوي في أغسطس 2007 والقنصلية العامة في مدينة هو تشي منه في سبتمبر 2007. وقد ساهمت زيارة رسمية قام بها رئيس الوزراء الفيتنامي إلى الكويت عام 2009 وزيارة أخرى قام بها رئيس الوزراء الكويتي إلى فيتنام عام 2016 في تعزيز التعاون الثنائي في العديد من المجالات الواعدة.
تدخل رحلة الصداقة الفيتنامية الكويتية الممتدة لخمسين عامًا (1976-2026) فصلًا جديدًا، حيث ارتقى البلدان بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية خلال الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الوزراء فام مينه تشينه إلى الكويت في نوفمبر 2025. ويعكس هذا الإنجاز عمق الروابط بين البلدين، القائمة على الثقة السياسية، والتعاون الاقتصادي الفعال، والتبادل الثقافي، والالتزام المشترك بالسلام والتنمية، والسعي لتحقيق مصالح شعوبنا ومستقبل مزدهر لأمتينا.
< إلى جانب العلاقات السياسية الوثيقة، ما هي أبرز الانطباعات عن التعاون الفيتنامي الكويتي على مدى الخمسين عامًا الماضية؟
يُعدّ التقدم الملحوظ في التجارة والاستثمار من أبرز إنجازات العلاقات الفيتنامية الكويتية. فقد أصبحت الكويت الشريك التجاري والاستثماري الرائد لفيتنام في الشرق الأوسط. وتشير التقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري الثنائي سيصل إلى نحو 7 مليارات دولار أمريكي في عام 2025، وهو أكبر حجم تبادل تجاري بين فيتنام ودولة واحدة في المنطقة بأسرها. بالإضافة إلى ذلك، تم تمويل مشروع مصفاة نغي سون ومجمع البتروكيماويات، باستثمار إجمالي يتجاوز 9 مليارات دولار أمريكي، من خلال مساهمة الكويت البالغة 3.5 مليار دولار أمريكي، ما يجعلها من بين أكبر المستثمرين حتى الآن.
وقفت فيتنام والكويت جنباً إلى جنب خلال الأوقات العصيبة. وستظل فيتنام تتذكر طويلاً سخاء الكويت بتوفيرها 600 ألف جرعة من اللقاح خلال أصعب فترات جائحة كوفيد- 19. وقد برهن هذا العمل مجدداً على عمق الصداقة بين البلدين، كما يقول المثل الفيتنامي: “الصداقة الحقيقية تظهر في أوقات الشدة”.
وقد تجلى هذا التضامن والتعاون المتبادل باستمرار من قبل الكويت، أول دولة خليجية تقدم أكبر مبلغ من مساعدات التنمية الرسمية التفضيلية لفيتنام. كان مشروع ري داو تينغ أول مشروع يحصل على مساعدة إنمائية رسمية من الكويت عام 1979. ولسنوات عديدة، دعم الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية مشاريع البنية التحتية الأساسية في فيتنام، بقيمة إجمالية بلغت 182 مليون دولار أمريكي، من خلال 15 مشروعًا في مختلف المحافظات والمدن، لا سيما في المناطق النائية.
علاوة على ذلك، تشهد التبادلات الثقافية والتعليمية والسياحية نموًا ملحوظًا. كما يتقدم التعاون على المستوى المحلي، من خلال شراكات مثل تلك القائمة بين محافظة الأحمدي ومدينة هو تشي منه، وبين محافظة الفروانية ومحافظة ثانه هوا.
< كما ذكرتم، حافظت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، على مدى خمسين عامًا، على قوتها وحققت العديد من الإنجازات رغم المسافة الجغرافية التي تزيد عن 6000 كيلومتر بين فيتنام والكويت. ما هو الأساس والقوة الدافعة وراء هذه العلاقة؟
تقوم العلاقة بين فيتنام والكويت على أساس التعاطف التاريخي. فقد مرّ البلدان بفترات عصيبة في الدفاع عن سيادتهما، وبناء دولتيهما، وترسيخ مكانتهما الوطنية. وقد عززت هذه التجربة المشتركة صداقة طبيعية وثقة سياسية، مما سمح للبلدين بفهم ودعم بعضهما البعض منذ بداية علاقاتهما الدبلوماسية.
على مدى أكثر من خمسين عامًا من العلاقات، دعم البلدان استقلال وسيادة بعضهما البعض باستمرار، وتجنبا التدخل في الشؤون الداخلية، وحافظا على حوار صادق، وسعيا إلى تعاون جوهري. وقد ضمن ذلك عدم تأثر علاقتنا بالعديد من التحديات، مثل الاضطرابات الاقتصادية العالمية، والنزاعات الإقليمية والدولية، وتغير المناخ، وقضايا الأمن غير التقليدية، وغيرها.
علاوة على ذلك، يكمن الأساس المتين للعلاقة القوية بين فيتنام والكويت في رؤيتنا المشتركة للسلام والتعاون والتنمية. لطالما تمسكت فيتنام والكويت برؤى مشتركة بشأن الاستقلال الوطني، والتطلعات التنموية، والالتزام بالسلام والتعاون على الصعيدين الإقليمي والعالمي. وقد أسهم التنسيق بين فيتنام والكويت في تعزيز التعددية والسلام والتنمية المستدامة، فضلاً عن المشاركة الفعالة في البعثات الإنسانية، إسهاماً كبيراً في تعزيز دور البلدين على الساحة الدولية.
< في ضوء الارتقاء الجديد للعلاقات الثنائية، هل يمكنكم تقديم بعض التوصيات للبلدين لتعزيز التعاون العملي في المستقبل القريب؟
أولاً، يمكن توسيع نطاق التعاون في مجال الطاقة ليشمل مرافق التخزين، ومراكز إعادة شحن النفط والغاز، والخدمات اللوجستية للطاقة في فيتنام. في الوقت نفسه، يحتاج البلدان إلى ربط التعاون النفطي بالتحول الطاقي من خلال البحث المشترك والاستثمار في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر. تُعد هذه خطوة عملية لتحسين قيمة النفط والغاز، ومواكبة التوجهات العالمية، وتحقيق فوائد مستدامة لكل من فيتنام والكويت.
ثانيًا، بفضل اقتصادها الديناميكي وبيئتها الاستثمارية المواتية، أصبحت فيتنام وجهة جذابة بشكل متزايد لصناديق الاستثمار الكويتية. في الفترة المقبلة، يمكن للبلدين تعزيز التعاون في مشاريع واسعة النطاق، لا سيما بناء البنية التحتية وإنشاء مركز مالي جديد في جنوب شرق آسيا.
ثالثًا، تتبوأ فيتنام مكانة مرموقة كإحدى الدول الرائدة عالميًا في تصدير المنتجات الزراعية والمائية، قادرة على ضمان الأمن الغذائي وتوفير إمدادات وفيرة ومستقرة وطويلة الأجل من المنتجات الحلال المعتمدة للسوق الكويتي. لن يُسهم التعاون في هذا المجال في مساعدة الكويت على تنويع إمداداتها الغذائية فحسب، بل سيخلق أيضًا فرصًا لفيتنام لتطوير سلسلة زراعية حلال، وبالتالي توسيع سوقها إلى دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع.
رابعًا، حظيت المناظر الطبيعية الخلابة في فيتنام، وثقافتها النابضة بالحياة، وشعبها المضياف، بإعجاب عالمي. وتزداد شعبية هذا البلد ذي الشكل المميز كوجهة سياحية مفضلة لدى السياح الدوليين، بمن فيهم الكثيرون من الشرق الأوسط. ويُنظر إلى إمكانات التعاون السياحي بين فيتنام والكويت بتفاؤل كبير خلال السنوات القادمة، نظرًا للتكامل الواضح في الطلب، وجودة المنتجات، والموسمية.
خامسًا، في ظل الظروف العالمية المتقلبة، يتعين على فيتنام والكويت تعزيز التنسيق والدعم المتبادل في المحافل الدولية. علاوة على ذلك، يمكن لفيتنام أن تكون بوابة للكويت لتوسيع استثماراتها في جنوب شرق آسيا، بينما يمكن للكويت أن تكون شريكًا استراتيجيًا، يُساعد فيتنام على الوصول إلى أسواق الشرق الأوسط والأسواق المجاورة.
< هل يمكنك توضيح إمكانيات التعاون السياحي بين فيتنام والكويت، والخطوات التي يتعين على البلدين اتخاذها؟
وصل عدد زوار فيتنام الدوليين إلى رقم قياسي بلغ نحو 25 مليون زائر خلال عام2025 . وبفضل سواحلها الممتدة، ومناظرها الطبيعية الخلابة، ورحلاتها البحرية الاستثنائية، وتاريخها وثقافتها الغنية، رسخت فيتنام مكانتها كإحدى أكثر الوجهات السياحية رواجًا في جنوب شرق آسيا. وتقدم البلاد باقة متنوعة من المنتجات السياحية التي تلبي أذواق السياح الكويتيين، وتشمل:
- وجهات سياحية فاخرة: فو كوك، ونها ترانج، ودا نانغ.
- وجهات سياحية للعلاج والاستجمام: هانوي، ومدينة هو تشي منه، ودا لات، وسابا، وكان ثو.
- وجهات سياحية ثقافية وتراثية: هانوي، وهوي، وهوي آن، ونينه بينه.
- وجهات سياحية طبيعية وتجريبية: خليج ها لونغ والمنطقة الجبلية الشمالية.
في السنوات الأخيرة، عملت فيتنام على تطوير شبكة من المطاعم الحاصلة على شهادة الحلال، والفنادق الملائمة للمسلمين، وتقديم جولات سياحية مصممة خصيصًا للزوار العرب. وتكتسب فيتنام، على وجه الخصوص، مكانة مرموقة وجاذبية للزوار الدوليين الباحثين عن السياحة العلاجية والاستجماميه، وقد بلغ حجم السوق إلى ما يقارب مليار دولار أمريكي خلال عام 2025.