نظم مركز "الرقيب" البحثي في بريطانيا ندوة عن المساعدات العربية لليمن ، وهي الندوة التي تم عقدها بنظام الأون لاين وضمت عدد من الباحثين اليمنيين والعرب في أوروبا والغرب وبعض من الدول العربية. 
وأشار عدد من الباحثين إلى أن الواقع الاستراتيجي يُظهر أن السعودية، ومعها دول الخليج، تسعى إلى دعم اليمن بشكل مستمر، وهو دعم لا يقتصر على المساعدات الإنسانية أو إعادة بناء المرافق أو دعم طرف سياسي على حساب آخر، بل يهدف أيضًا إلى ضمان استقرار اليمن بما يحقق مصالحه ومصالح دول المنطقة، خاصة أن استقرار اليمن، بوصفه المحور الجنوبي للخليج، يُعد هدفًا استراتيجيًا تسعى دول الخليج إلى ترسيخه.
وعرض عدد من الباحثين آراؤهم البحثية التي تباينت عن هذه النقطة ، وقد أشار أحد الباحثين السياسيين (الذي رفض عرض رأيه السياسي من خلال وسائل الإعلام) إلى ضرورة مراجعة هذه المساعدات وتدشين منظومة رقابية حازمة عليها ،  واستشهد برأي الأكاديمي والخبير الحقوقي اليمني المقيم في واشنطن محمد الزُبيدي والذي زعم ان السفير السعودي في اليمن محمد آل جابر تتهمه أوساط يمنية صراحة بالفساد ، وقد وجهت إليه من قبل ملاحظات بشأن منظومة توزيع المساعدات عبر ما وصفه ببرامج دعم وتمويل تُدار من خلال جهات سعودية رسمية ، وهي الملاحظات التي تداولتها عدد من المواقع اليمنية.
الندوة أيضا استعرضت أيضا آراء لعدد من الباحثين اليمنيين في وسائل الإعلام العربية مؤخرا ، ومنهم المحلل السياسي اليمنى صدام مثنى، والذي قال إن المشهد اليمنى ما يزال يواجه تحديات معقدة على المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية، مشيرًا إلى أن ضعف مؤسسات الدولة وعدم قدرتها على إدارة الملفات الكبرى بكفاءة يمثلان أحد أبرز أسباب استمرار الأزمة وتعثر جهود الاستقرار وإعادة الإعمار.
وأشار إلى أن انعدام الأمن الغذائى ما يزال واسع الانتشار فى مختلف المحافظات اليمنية، بالتزامن مع تراجع التمويل الإنسانى بصورة حادة، ما زاد من صعوبة الأوضاع المعيشية للأسر اليمنية التى تواجه ارتفاعًا مستمرًا فى الأسعار وتراجعًا فى مستوى الخدمات العامة.
وأضاف أن كثيرًا من اليمنيين باتوا ينظرون بقلق إلى الفجوة المتزايدة بين حجم المعاناة الإنسانية والإعلانات المتكررة الخاصة بأموال ومشاريع إعادة الإعمار، معتبرًا أن التحسن الفعلي على الأرض ما يزال محدودًا مقارنة بحجم الوعود والتعهدات المالية التى تم الإعلان عنها خلال السنوات الماضية.
وفى هذا السياق، أشار محلل سياسى يمنى مشارك في الندوة أيضا إلى السفير السعودى لدى اليمن محمد آل جابر، والمشرف على البرنامج السعودى لتنمية وإعمار اليمن، باعتباره أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بملف إعادة الإعمار والإدارة الاقتصادية فى اليمن، موضحًا أن دوره تجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي، ليصبح حاضرًا فى ملفات حيوية تتعلق بدعم الوقود، وتمويل البنية التحتية، والتخطيط التنموي، والتنسيق السياسى.
وقال إن التركيز الكبير للنفوذ أثار حالة متزايدة من الانتقادات والجدل داخل اليمن، خاصة مع وجود مخاوف تتعلق بسوء الإدارة وشبهات فساد وتأخر فى تنفيذ عدد من مشاريع البنية التحتية والطاقة المرتبطة بمنظومة الدعم والإعمار، رغم ضخامة التمويلات والإعلانات المتكررة عن مشاريع تنموية خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف أن حالة الإحباط تصاعدت لدى قطاعات واسعة من اليمنيين الذين ما يزالون يواجهون أوضاعًا معيشية صعبة، رغم استمرار الحديث عن خطط إعادة إعمار ومساعدات بمليارات الدولارات.
وأوضح أن التجربة اليمنية تحمل دروسًا مهمة للمنطقة العربية، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين التنمية والاستقرار السياسى، مؤكدًا أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تعتمد فقط على المؤتمرات والإعلانات والتعهدات المالية، بل يجب أن تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين من خلال تحسين الخدمات الأساسية وتوفير فرص العمل وتحقيق استقرار اقتصادى مستدام.
كما حذر من أن تركيز السلطة الاقتصادية والسياسية بشكل مفرط في أيدي عدد محدود من الأطراف، سواء كانوا محليين أو خارجيين، قد يؤدى إلى تراجع الثقة العامة وخلق تحديات طويلة الأمد تتعلق بالشفافية والاستقرار المؤسسي.
وأضاف أن النفوذ الإقليمى يصبح أكثر تأثيرًا واستدامة عندما يحقق تحسينات ملموسة فى حياة المواطنين، وليس عندما يؤدى إلى زيادة الاعتماد المستمر على المساعدات الخارجية والدعم الإنسانى.
وفيما يتعلق بالتداعيات الإقليمية، شدد المحلل السياسى اليمنى على أن الأزمة اليمنية لم تعد قضية داخلية تخص صنعاء أو عدن فقط، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بأمن واستقرار المنطقة العربية، خاصة الدول المطلة على البحر الأحمر وفى مقدمتها مصر.
وأوضح أن مستقبل اليمن واستقراره يؤثر بصورة مباشرة على أمن الملاحة البحرية وحركة التجارة الإقليمية، وهو ما ينعكس على المصالح الاقتصادية والأمنية للقاهرة، خاصة فى ظل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وقناة السويس.
وأكد أن وجود يمن مستقر وفعّال من شأنه أن يعزز أمن الممرات البحرية والتجارة الإقليمية، بينما قد يؤدى استمرار هشاشة الوضع اليمنى إلى تحويل البلاد إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار فى واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية فى العالم العربى.
من جهته أكد أحد الباحثين المشاركين ايضا إلى أن معالجة الأزمة اليمنية تتطلب مقاربة شاملة تركز على بناء مؤسسات قوية وتحقيق تنمية حقيقية تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، مؤكدًا أن استقرار اليمن يمثل مصلحة مشتركة للمنطقة العربية بأكملها، وخاصة مصر، فى ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة فى منطقة البحر الأحمر.
وأشار باحث آخر إلى أنه وفي حال استمر النهج السعودي والدبلوماسي السعودي الحالي تحديدا في استخدام البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن كأداة لصناعة الروايات السياسية وعقد الصفقات وبناء النفوذ، فإن حتى المشاريع التنموية القليلة الملموسة التي شهدها اليمن خلال السنوات الأخيرة ستتحول إلى وسائل لترسيخ المصالح السعودية، بدلًا من بناء دولة يمنية فاعلة وقادرة على النهوض.
من جهتها قالت ورقة بحثية أخرى قدمها أحد المشاركين إنه ورغم أن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن انطلق عام 2018، وأعلن عن حزمة واسعة من المبادرات في مجالات البنية التحتية والتعليم والطاقة، إلا أن ما يُنشر ضمن “سجل الإنجازات” يظل، في معظمه، أقرب إلى قوائم مشاريع وإعلانات رسمية، مثل افتتاح مكاتب تنسيق أو إطلاق مبادرات جديدة، دون تقديم تفاصيل دقيقة وموثقة حول حجم التنفيذ الفعلي على الأرض. ومع ذلك، يستمر حجم التمويل المخصص للبرنامج في التزايد.
وأشار إلى أن برامج الإعمار خارج قطاع الطاقة تسهم في إعادة صياغة صورة التدخل السعودي في اليمن، عبر تقديم الرياض كشريك “خيّر” و”داعم للتنمية”.
رأي آخر 
غير أن هذا الرأي قابلة رأي آخر والذي أشار إلى أن السفير السعودي في اليمن وهو المشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، لا يقتصر دوره فقط على تنظيم منظومة المساعدات ، ولكن أيضا يعمل وفق قناعة بأهمية التقديرات الاستراتيجية المتعلقة باليمن وانعكاساتها المباشرة على أمن السعودية، نظرًا لحدودها الجنوبية الطويلة مع اليمن.
بدوره قال أحد المشاركين من منطقة الجنوب العربي إن مجلس القيادة الرئاسي في اليمن ضعيف سياسيا، فيما تستمر شرعيته محل نزاع بين عدة قوى ومجموعات مصالح في اليمن، رغم الموقف المشترك المناهض للحوثيين. 
كما ازداد الاستياء الشعبي من سياسات الرياض الفوقية التي تفرض سلطة سياسية جديدة على اليمنيين، خاصة منذ نهاية عام 2025 ، وفقا له.
ويعود جزء من هذا الاستياء إلى الحضور القوي للمصالح المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين داخل مجلس القيادة عبر حزب الإصلاح، وهي القوى التي لم تكتفِ السعودية بالتسامح معها، بل احتضنتها لسنوات. ومنذ الضغوط السعودية على القبائل الجنوبية أواخر عام 2025، استعادت جماعة الإخوان وحلفاؤها نفوذهم في جنوب البلاد.
من جانبها قالت الباحثة زينب الخطيب أن التحول الأهم يتمثل في انتقال السعودية من استخدام القوة العسكرية إلى توظيف أدوات الاقتصاد والطاقة والإعمار والنفوذ السياسي.
ونبه المشاركون في الندوة لورود تقارير يمنية وشهادات محلية إلى وجود فجوة بين حجم التمويل المعلن ونتائج التنفيذ، خصوصًا في قطاعات مثل الطاقة والمطارات والإسكان. وفي المقابل، يرى آخرون أن هذه المشاريع تعكس نمطًا أوسع من التحول في السياسة السعودية، يقوم على توظيف التنمية كأداة للاستقرار والنفوذ في آن واحد.
توصيات 
وخرجت الندوة بعدد من التوصيات ومنها ، ضرورة آن يتركز الاهتمام بشكل خاص على قطاع الطاقة، حيث أصبحت السعودية لاعبًا محوريًا في تشغيل محطات الكهرباء وتمويل المشتقات النفطية في عدد من المدن اليمنية. ويثير هذا التمركز تساؤلات حول طبيعة الاعتماد المتزايد على التمويل الخارجي، وحدود استقلال القرار الاقتصادي اليمني في ظل هذا التشابك.
فضلا عن هذا أشار الباحثون إلى ضرورة ألا تقتصر الإشكالية على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى البنية السياسية التي أعقبت تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، والذي لا يزال، وفق قراءات متعددة، يعاني من هشاشة داخلية وتباين في مراكز النفوذ، وسط استمرار التنافس بين قوى محلية وإقليمية على إدارة المرحلة الانتقالية.