
عرض وتقديم : محمد منصور
يقول الكاتب إن إيران أرادت شيئا ونجحت بشكل كبير في تحقيقه، هو إنشاء ميليشيا خبيرة بحرب العصابات الدائرة في إيران، لا يمكن اختراقها بسهولة من قبل الموساد كما هو الحال مع منظمة التحرير الفلسطينية، ولا يمكن كذلك رشوتهم بالمال، وهكذا وجدت أكبر منظمة إرهابية - على حد قول الكاتب - لم يشهد العالم مثيلاً لها من قبل.
ويؤكد بيرغمان على أن حزب الله كان منظمة إيرانية منذ اليوم الأول، تتلقى تعليماتها وتدريباتها من الحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية، مشيرا إلى أنه كان من السهل التنبؤ بأهداف حزب الله مبكرا، وهو طرد القوات الأجنبية، خاصة القوات الإسرائيلية والأميركية والفرنسية، والقضاء نهائيا على الدولة اليهودية، وتحرير القدس.
بعد هذا الاتفاق تحرك نحو جماعة من ثلاثة آلاف رجل، سميت بقوة محمد رسول الله، إلى دمشق ومنها إلى بيروت، حيث تلقوا تدريبهم في عدد من المعسكرات، لكن المشكلة التي واجهت الإيرانيين في لبنان هي من الذي سيتولى قيادتهم؟ هل حركة أمل التي أسسها الإمام موسى الصدر ودعمتها إيران؟ فقد كانت زعيم “أمل” على خلاف مع نائبه حول الموقف من المسيحيين اللبنانيين، لذلك كان هناك ضغوط على محمد فضل الله زعيم الشيعة في لبنان للموافقة على قرار مصيري بإنشاء حزب جديد، هو حزب الله.
ولادة حزب الله
وهنا برزت فكرة وجود منظمة متطرفة برعاية إيران، طالما أنها سوف تركز على إسرائيل فقط دون النظم العربية ذاتها، وهكذا وصل وفد عسكري إيراني رفيع المستوى إلى دمشق في أوائل عام 1982، وكان هدف الاجتماع دراسة الوضع في لبنان، وتطبيق مبادئ الجهاد الصحيح، وتلقين الصهاينة درسا، وخلال هذا الاجتماع قدمت سورية ما رفضته قبل ثلاث سنوات وهو منح دعم مادي للشبكة الإيرانية المصدرة للثورة، وهكذا أصبح الخميني الثوري، والأسد البعثي العلماني، حليفين غريبين، لكنها اشتركا في عدو واحد، إسرائيل والولايات المتحدة.
ويقول الكاتب إنه بالنسبة للرئيس السوري حافظ الأسد فإن هذه الحرب كانت بمثابة تحرك ضد سورية نفسها، ليس فقط لأن قواته هزمت، بل لأنه خسر أغلى بنية عسكرية في جيشه كونها بنفسه، وهي سلاح الجو، وهو ما جعله متأكدا من عدم قدرته الدخول في مواجه عسكرية قريبة مع إسرائيل، ومن ثم فكر الأسد في إنشاء منظمة عسكرية في لبنان تضرب الجيش الإسرائيلي في مقتل.
وخلال هذه الحرب قامت القوات الإسرائيلية بتدمير جزء كبير من سلاح الجو السوري، ودمرت كثيراً من الصواريخ المضادة للطائرات التي جلبتها سورية من الاتحاد السوفيتي، مستخدمة في ذلك طائرات أميركية لأول مرة كتجربة عسكرية حية، وهو الأمر الذي أسعد الأميركيين كثيرا لأنه أثبت تفوق سلاحهم الجوي على السوفيت.
في عام 1982 بدأ اجتياح القوات الإسرائيلية لجنوب لبنان، وكان السبب الرئيس لهذا الاجتياح هو وجود منظمة التحرير الفلسطينية في هذه المنطقة، وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية أن قواته سوف تتوغل لنحو 40 كيلومتراً في جنوب لبنان لوقف الصواريخ التي كانت تطلق من هناك، إلا أن وزير الحرب آنذاك، شارون، أمر جنوده بأن يكون هدفهم طرد منظمة التحرير والسوريين تماما من الأراضي اللبنانية.
اجتياح لبنان وتغير الموقف السوري
وذكر الكاتب أيضا كيف أن مشاركة سورية في الحرب كانت كبيرة، مشيرا إلى أن الرئيس السوري استغل طلب المساعدة الذي قدمه الرئيس اللبناني، فأرسل جنودا وعداداً حتى أصبحت سورية هي من يحكم لبنان فعليا.
بعد أن اندلعت الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، كانت قوات ياسر عرفات قد انتقلت إلى لبنان، بعد أن تم طردهم من الأردن عام 1970، وكانوا يتصرفون في لبنان على أنها بلدهم، وبين عامي 1976 و 1978 استغل عرفات فرصة الخواء السياسي في لبنان وأمر رجاله باستضافة أتباع الخميني في معسكرات فتح وتدريبهم، في الوقت الذي لم يكن الغرب يعرف شيئاً عن الخميني، وهو الأمر الذي وصفه الكاتب “بالخطوة التاريخية” التي لم يعرف العالم قيمتها إلا بعد مرور سنوات.
ويؤكد بيرغمان أنه بعد النجاح كانت المحاولات الأولى لاختراق سوريا، فبعد أقل من عام على بداية الثورة الإيرانية، تحركت مجموعة من المتطوعين الإيرانيين، زاد عددهم على 400 ألف إلى دمشق، وأعلنوا رغبتهم في الذهاب إلى لبنان وتكوين حركة شيعية، مرددين شعارات مثل “اليوم إيران .. وفلسطين غدا”، إلا أن الرئيس السوري آنذاك، حافظ الأسد، قام بالقبض عليهم وأرسلهم إلى إيران، بينما استطاع قائدهم محمد منتظر الهروب إلى لبنان عبر الحدود، ويقول بيرغمان إن الأسد الذي وصفه بالديكتاتور العلماني، رفض الاختراق الإيراني، متخوفا من أن تتسبب حركة دينية متطرفة في أن يفقد سيطرته على الحكم.
ويكشف الكاتب بعد ذلك أن الخميني كان يحاول في تقوية علاقته بلبنان وفلسطين، ففي السبعينيات قام نجلاه مصطفى وأحمد بزيارات متعددة إلى لبنان لتلقي تدريبات سياسية وعسكرية، كانت بدايتها في معسكرات “أمل” بالجنوب اللبناني، ثم بعد ذلك في قواعد “فتح” قرب بيروت، وقام أحمد بالاشتراك في رجال ياسر عرفات في تنفيذ عمليات ضد المسيحيين في لبنان وضد إسرائيل على الحدود، وعقب عدة لقاءات بين عرفات والخميني، بدأ تدريب أنصار الخميني الإيرانيين في قواعد “فتح” بلبنان، وقرب بدء الثورة الإيرانية كان هناك ما يزيد على سبعمئة من أنصار الخميني قد تخرجوا في “أمل” و”فتح”.
عندما اختفى موسى الصدر كانت الثورة الإسلامية في إيران على بعد بضعة أشهر، وقبل هذه الثورة كانت فكرة الدولة الإسلامية مجرد حلم بعيد المنال، لكن بعدها، وبعد ان صار قادة الشيعة الذين تلقوا تعليمهم في مدن مثل نجف وقم قادة، بدأ رجال الدين في لبنان إعلان ولائهم رسميا للإمام الخميني، وسرعان ما بدأ مسؤولون من الثورة الإيرانية في زيارة لبنان، وهو ما قوبل بترحيب كبير منهم، وقد رأى الإيرانيون في لبنان نموذجاً لتجريب الصراعات في العالم كله نظرا لطبيعتها المتعددة اجتماعيا ودينيا وسياسيا، فضلاً على حكومته الضعيفة أمام أي تدخل خارجي.
ورغم زعامته الدينية القوية، فقد لعب الصدر ألعابا سياسية خطرة، فبفضل وثوق الشاه به، تمتع بمساعدة كبيرة من شرطته السرية السافاك، وفي المقابل أمدهم بمعلومات تعطي صورة كاملة للوضع في لبنان، ومعلومات لا تقل أهمية عن الوضع في عدد من العواصم العربية، كذلك كانت له علاقة قوية بالاستخبارات الأميركية في بيروت وأعطاهم معلومات هامة عن التواجد السوفيتي والألماني في سورية ولبنان، وفي أغسطس من عام 1978 اختفي موسى الصدر أثناء وجوده في ليبيا وصار اختفاؤه لغزا حتى اليوم رغم بروز تفسيرات كثيرة للمستفيدين من موته، وخلفه في زعامة شيعة لبنان محمد حسين فضل الله.
يقول بيرغمان إن موسى الصدر كانت تربطه علاقة قوية مع الشاه السابق، وهو ما ساعده في السفر إلى لبنان وتكوين أول جمعية خيرية شيعية بمساعدة السافاك، الشرطة السرية الإيرانية، وسرعان ما أصبح الصدر زعيما لشيعة لبنان، ولقب نفسه بـ”الإمام” ، تماما كما فعل الخميني، وهو لقب يكسبه زعامة دينية على جميع الشيعة، وفي عام 1975 أسس حركة “أمل” التي اهتمت بكل ما يخض المجتمع الشيعي.